السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ........ أهلا ومرحبا بكم في ساحة التنمية البشرية والتطوير الإداري

السبت، 23 أبريل، 2011

إدارة المعرفة وتنمية القيادات الإدارية : نحو رؤية مستقبلية.

أننا نعيش في زمـن العلـم والتقنيـة ومن يملـك المعرفـة وليس لديه المقدرة على إدارتها وترجمتها بشكل مؤثر في الأداء بطـرق مثلـه، لن يستطيع مواجهـة التحديات ومخاطر المنافسة من اجـل التميز،خصوصا مع حلـول الالفيـة الثالثة وسيـادة اقتصاد المعلومات او الاقتصاد المبنـي على المعرفـة ، حيث لم يعـد اكتناز واكتسـب المعلومات والمعرفة لوحده مجدياً.
    لذا فان أهمية الحديث عن إدارة المعرفة ودورهـا في تنمية واعـداد القيـادات الاداريـة، يعـد من بين اهـم القضايا التى تسعـي اليها جـل مؤسسات المجتمع سواء من القطاع العـام او الخاص، من اجـل توفير ميزة بالغـة تمكنهـا من التنافـس وتحقيـق التميـز وسـط اقتصاد معلوماتي معولم، ولعله مكمن التحدي في هذا المنعطف توافر رأسمال فكري وطني.
    لذا تحاول هذه الورقة البحثية التركيز بشكل أساسي على استعراض أهم تحديات الاقتصاد المعلوماتي المعرفي في عصر الرقمنة، الذي يحتم بدوره ضرورة الاهتمام بتنمية الرأسمال المعرفي الوطني بهدف تحسين الاداء المؤسسي، مع استشراف رؤية مستقبلية لمدى امكانية تطبيق برامج إدارة المعرفة لإعداد وتنمية قيادات ادارية كفؤة وفعالـة تسهـم في الرفـع من مستوى الاداء المؤسسي الذي سينعكس بطبيعة الحال على الاقتصاد الوطني .

تمهيد
    من البديهي ان المعرفة تولد المعرفة والجهل يسبب الجهل، لذا فان المجتمعات التى تمكنت من المواجهة والتحدي والمنافسة هي تلك التى عرفت كيفية التحكم في المعرفة بادارتها والافادة منها، اذ انه لا يوجد تعريفاً محدداً لإدارة المعرفة على الرغم من إنها تأتي في المقام الأول نظرا لفوائد توظيفها، إذ من طريقها يمكن توليد القيمة والحصول على الأصول الفكرية التي أساسها المعرفة بغض النظر عن نوعيتها ضمنية أو الصريحة، وان توليد القيمة أو الأصول القيمية " الحضارية " تتم من خلال التشارك بين المستخدمين او الخبراء داخل الاطار المؤسسي التنظيمي، وان التقنية وحدها ليست إدارة المعرفة بل هي أداة من أدواتها التي تسهل عملية توليدها والحصول على قيمة وقيمة مضافة كما سنرى لاحقا بشكل اكثر تفصيلا .
    ومن منظار التأطير المفاهيمي يعد  ظهور مفهوم إدارةالمعرفة فيعلما لإدارة في السنوات الأخيرة كمفهوم متنامي يركزعلى المعرفة من اجل تحسين الأداء المؤسسي، وان مفهوم إدارة المعرفة لا يعنى من بين ما يعنية ادارة الرأسمال الفكري في اطاره المؤسسي فحسب، بل انها تتعدى ذلك الى كونها قيمة مضافة. وانها لا تعد كذلك الا اذا تم اكتشافها بطبيعة الحال في ذاك الاطار التنظيمي واستثمارها ومن ثم تحويلها الى قيمة لخلق الثروة من خلال التطبيق .  ولاشك  في ان التحرك نحو المستقبل والارتقى بالاقتصاد الوطني، لا يتسنى الا من طريق تحسين الاداء المؤسسي الذي يرتبط بالقيادة والمدير بالدرجة الاولى، فهو وحده الذي يمكنه الاضطلاع بذلك العبء، باعتبار ان القيادة الادارية هي فن توجية وتنسيق نشاطات العاملين وحثهم على التعاون في سبيل تحقيق الاهداف المؤسسية ، وهذا لا يتأتى الا من طريق التنمية الادارية فهي العملية التى يتم بمقتضاها تحسين قدرات ومهارات الافراد المسؤولين عن ادارة الانشطة والفعاليات المؤسسية وحسن استخدام مواردها.
    ولعل ما يميز القرن الحادي والعشرين هو ظهور قوة المعرفة، وان من يُحسن توظيفها وتطويعها يمتلك القوة، وبناء على ذلك أصبحت تنمية الموارد البشرية عاملا مهما في تعزيز القدرات الانتاجية والتنافسية للمنظمات والمجتمعات، وعليه تم إيلا موضوع استقطابها وتوظيفها والمحافظة عليها وتدريبها وتحفيزها أمراً في غاية الاهمية، مما أدت الاولوية التى يحتلها الرأسمال البشري في الاقتصاد المعرفي الى صراع عالمي حول الموهوبين، تماماً كما كانت الشعوب في الماضي تتصارع حول الارض كأحد أصول الانتاج. وبناءا على ان الادارة تستهدف الافادة المثلى من مواردها البشرية (مديرين ومرءوسين) فان تشجيعهم ودفعهم للاجتهاد من خلال تهيئة المناخ المناسب ينمى الابتكار والابداع وينشطه. فقد باتت ادارة الموارد البشرية وصقل المهارات المعرفية احدى اهم وظائف النظم المؤسسية العصرية في القرن الحالي فهي ادارة لاهم واغلى الاصول، اذ مايميزها عن باقي تلك الاصول انها اصول مفكرة.
     اذ ان الاقتصاد العالمي يتجه اكثر من اي وقت مضى في تاريخ البشرية الى اقتصاد قائم على المعرفة فالاقتصاديون الكلاسيكيون قبل قرنين من الزمان عرفوا عوامل الانتاج بانها العمالة وراس المال، والآن بدأت المعرفة وتقنية المعلومات تحل محل رأس المال والطاقة كموارد قادرة على زيادة الثروة، اذ ان التطور التقني حول الكثير من الجهد اللازم لزيادة الثروة من الجهد الجسماني الى الجهد الفكري والمعرفي المتركز في الراسمال البشري، وهنالك الكثير ممن يشيد بأهمية كيفية التحول من الاقتصاد المعتمد على الموارد الاقتصادية غير المتجددة الى الاقتصاد المعتمد على تنمية المعارف الفكرية المتنوعه. ومع تراكم جملة التطورات المجتمعية ظهر واضحا ان دراسة المعرفة التى كانت تستبعد الى موقع خلفي في الاقتصاد سابقا، أخذت اليوم تحظى باعتراف متزايد هذا من الناحية المجتمعية، اما على المستوى المؤسسي فان المعرفة بفعل التغيرات العميقة أصبحت اكثر اهمية بشكل غير مسبوق بما يجعلها القدرة الجوهرية الاكثر اهمية ومصدرا للميزة التنافسية المستدامة، وهذا ما يمثل الدلالة لاستراتيجية ادارة المعرفة.
       فلنتفق جميعا ومنذ البداية على ان الرأسمال البشري ما هو الا مكون من مكونات الرأسمال الفكري اي بمعنى ادق هذا الاخير يتكون من جملة رأسميل من بين اهمها (الرأسمال التنظيمي، الرأسمال الزبون، الرأسمال البشري)، وبينما يعنى الرأسمال التنظيمي المعرفة التى يتم التقاطها ومأسستها كأساس للهيكل والعمليات والثقافة التنظيمية، يعني رأسمال الزبون او المستفيد هو المعرفة المتحصلة من ادراكه للقيمة المقدمة اليه من الخدمة او المنتج. في حين الرأسمال البشري يتكون من معرفة الافراد فردي وجماعات، ولعل هذا الاخير مايهم موضوعنا بالدرجة الرئيسة وسنرى ذلك بشكل اكثر وضوحا لاحقا، الا ان التفاعل بين تلك المكونات مجتمعية، من شأنه ان يؤدي نتائج تشكل قيمة للكيان المؤسسي بشكل محقق للقيمة.

     لذا فقد باتت الدول والمجتمعات قاطبـة متقدمـة واقــل تقدمــا تولـــى عنايتهــا البالغــة بالمعرفــة وادارتها واهميــة بناء قاعدة للراسمال البشري، من خلال تركيزها على المناهج التى تؤسس الابداع وتدعمه سواء مـن خـلال المؤسسات الاكاديمية او التدريبية والتنموية بعد الالتحـاق بالعمـل لضمان حيويتها والمحافظة عليهـا لمواجهـة المنافسـة، اذ ان تشجيـع الابـداع والابتكـار وتأسيس وتدعيـم البنيـة التحتيـة المؤسساتية اللازمة للاعمال والعمـال من شأنهـا الضمـان لبقـــاء واستمراريـة تلك النظـم المؤسسيـة ومواجهـة تحديــات المعاصـرة.
   الوقفة الاولى : تحديات الاقتصاد المعلوماتي في عصر الرقمنة.
   ان الحقيقية التى لا يختلـف عليها اثنين اضحـت للمعلومات والمعرفة مزايــا اقتصاديـة نتيجة للتطبيقات نظــم المعلومات الحاسوبية المعتمـدة على التقنيات المعلوماتية، وما يؤكد ذلك ان انتاج المعرفة قد اصبح مفتــاح الانتاجية والمنافسـة والاداء الاقتصادي، لذا فان أهمية اقتصاديات المعلومات تتجســد من خلال عدها المعيار الاساسي لتصنيـف الــدول والشعـوب الى دول اكثـر تقدمـا واخـرى اقــل تقدمـا، تبعا لاحتساب معامــل القدرة على التعامـل مع تقنية المعلومات وتشغيل شبكات متقدمة من وسائل الاتصال، وهذا بات المؤشر الاكثر دلاله على التقــدم والتأخـر للشعوب والمجتمعات، اذ يناسب توزيعها عادة مع باقي التوزيعات الاخـرى لثروة المعرفة ومصادرهــا مثل الانفاق على جهود البحث والتطوير وعــدد العلمـاء والمفكرين. وبهـذا فان اقتصاد المعلومـات المعرفي غير اسس المعايير المعتمد في تصنيف الـدول نظــرا لاعتمـاده نمذجة مغايير لما سبـــق من مقاييـس نتيجـة لانتهاجهــا دراســة سلوكيـات المجتمعات واستهلاكهـا للمعلومات وانتاجهـا للمعرفـة.
   وفقا للطرح اعلاه أصبحت المعلومات المحور الرئيسي المحرك للاقتصاد وبالتالي صار قطاع المعلومات المصدر الرئيس للدخل القومي ، ولهذا فهو القطاع المتنامي الذي غير بصورة دراماتيكية صورة الاقتصاد العالمي .ولعل الحاصل على نطاق الاقتصاد العالمي يستوجب على النطاق المؤسسي تغييرات اي مأسسة الكيان الإداري في ظل الاقتصاد المعرفي والتغير التقني المتسارع ، فهي المورد الحيوي الذي يرتكز عليه خلق قيادات ادارية جديدة. اذ يتوقف النجاح المؤسسي على مدى كفاءتها وفعاليتها في الاداء والانتاجية واتخاد القرارات الرشيدة المبنية اساسا على المعلومــات، فهـذه الاخيرة تعـد حجـر الاساس في مختلف المستويات الادارية القيادية بما فيها مستويات الصف الثاني، وفي هذا المنعطف تبرز مسألـة مستقبلية غايــة في الاهمية  للعقـل الاداري الا وهي ادارة المعرفة وضمان استمراريتها. 
  ولعل ما يؤكد على تزايد الاهتمام بالمعرفة وضرورة العمل على ادارتها، نظرا لعاملين اساسيين على سبيل المثال لا الحصر، لعل اولهما تطور اقتصاديات الدول المتقدمة نحو اقتصاد الخدمات في السبعينيات ونحو المزيد من الخدمات عالية التخصص وكثيفة المعرفة فيما بعد، وهذا يعني تحول الاقتصاد الى اقتصاد قائم على المعرفة. وان دلائل هذا الاقتصاد القائم على المعرفة بروز الصناعات التقنية العالية والالكترونيات الفائقة، التى ادت بصناعات التقنية الرقمية "المحرك للنمو الاقتصادي"،وكذلك تزايد الطلب على العاملين ذوي المهارات الفنية العالية، وترتب على ذلك أهمية رأس المال الفكري كما سنرى لاحقا، اما عن ثانيهما فهو تطور انظمة التقنيات الرقمية التي ادت الى وفرة في المعلومات وسهولة في الحصول عليها، جمعها وتصنيفها ومعالجتهـما وتوزيعهـا على نطـاق واسـع. وبقـدر ما تكشف هذه التطورات عن الابعاد الواسعة والعميقة للتطورات في الاقتصاد وفي الادارة، فانها تكشف عن خصائص جديدة يتمتع بها اقتصاد مجتمع المعرفة .
    وإزاء ذلك تعد المعلومات والمعرفة من المقومات الأساسية للاقتصاد الوطني المجتمعي. إذ إن الاقتصاد القائم على المعلومات يستند إلى القدرات الإنسانية الفكرية، فالجهد الإنساني الفكري هو القوة الدافعة والمحركة للاقتصاد التي تزوده بالقدرة على الاختراع والإبداع، وما يتمخض عنها من تطور وتنمية فعالة ترتبط ارتباطاً وثيقا بذاك الاقتصاد، اذ انه بفضل تطورات المعلوماتية المختلفة صار بمقدور الدول رفع معدلات اقتصادياتها تبعاً لكمية المعلومات التى تمتصها في كياناتها المؤسسية الخدمية والإنتاجية (الأكاديمية والصناعية والزراعية...الخ)، أي مختلف القطاعـات الاقتصادية ، وهذه المقدرة بطبيعة الحال يتوقف عليها تقدم الدول أو تأخرها. بمعنى آخر أدق من خلال هذه القدرة يمكن سد الفجوة او حتى التقليل من حدتها بين الدول الأكثر تقدماً والأقل تقدماً أو تزيد في اتساعها.
   اذ لا يخفى على القارئ المختص تعاضم اهمية المعرفة في الاقتصاد حتى غدت سمة القرن "الاقتصاد القائم على المعرفة"، وهذا التوجه في الاقتصاد الذي يقوم على انتاج السلع والخدمات المبنية على المادة الى السلع والخدمات المبنية على المعرفة. ويؤدي الى تغير في عمليات الانتاج والتسويق، فمعظم الاقتصاديات المتقدمة اليوم اساسها المعرفة وهي التى تلعب فيها نشوء واستثمار المعرفة دورا في خلق الثروة، اي اقتصاديات يحركها الانتاج والتوزيع واستخدام المعرفة والمعلوماتية، اقتصاديات تتميز بزيادة ايقاع التغيرات التقنية والاجتماعية مع الابتكار الذي يؤدي الى انتاجية اعلى وتطور في كافة القطاعات، بالتالي قد وفرت ادارة المعرفة الكثير من الفرص للنظم المؤسسية في المجتمعات المتقدمة لتحقيق تقدم تنافسي من خلال ابتكارها تكنولوجيا جديدة ووسائل انتاج واساليب عمل جديدة ساهمت في تخفيض التكاليف وبالتالي زادت الارباح وكل ذلك ادى الى خلق مايسمى بصناعة المعرفة القائمة اساسا على جملة راسميل من بين اهمها الراسمال البشري.
    وبمعنى اخر ادق قد اسفرت التحولات الجذرية في النظام الاقتصادي العالمي عن قلة بريق الاقتصاد المعتمد على الإنتاج الكمي، ليحل محله الاقتصاد المعتمد على المعلومات والمعرفة، وفي ظل اقتصاد كهذا حلت مفردات ومعايير جديدة ذات خصائص غير ملموسة، مثل السرعة والمرونة والافتراضية...الخ، وباتت الميزة التنافسية للمنظمات تكمن في الإبداع والقدرات والخبرة والمهارة والتحسين والابتكار.وبناءاً على سيناريوهات المعرفة التى أصبحت المصدر الأكيد للثروة، قد أضحت تتطلب نوعا من التحالفات والعلاقات التعاونية بين المؤسسات في ظل الاقتصاد المعرفي، بالتالي تكون الأولية فيها للموجودات الفكرية غير الملموسة أكثر من الموجودات التقليدية، بالتالي فان الراسمال الفكري هو مصدر القيمة المضافة الحقيقي.
     لذا فانه يعني -الاقتصاد المعرفي- التحول في مركز الثقل من المواد الاولية والمعدات الرأسمالية الى التركيز على المعلومات والمعرفة ومراكز التعليم والبحث وصناعات الدماغ المُصنّع بشريا، وان التحول الاقتصادي يقوم على التحول من انشاء الذرات اي السلع والصناعة الى انشاء السلع والخدمات بالاعتماد على الومضات الرقمية. وفي هذا السياق يتضح للمتأمل ان كل من تسميات "اقتصاد المعلومات والاقتصاد المعرفي او الرقمي... وغيرها"، تمثل امتدادا واحدا في المفاهيم والدلالة حيث تشير الى كل التغيرات العميقة والواسعة المتحققة في مجال انشاء الثروة بالاعتماد على المعلومات والمعرفة والرقميات والشبكات، واستخداماتها في الانشطة الاقتصادية وشتى اشكال العمليات والانشطة والصفقات الخاصة بالتجارة والاعمال الالكترونية. ومن ثم ان الاقتصاد الرقمي الذي يقوم على انظمة المعلومات الرقمية التى تمثل مصدرا اساسيا لترشيد القرارات والعمليات ، يؤدي الى نتائج مهمة على صعيد الاعمال باعتباره  الاقتصاد المرتكز على القطاع الرابع "قطاع المعلومات"، حيث انه متكون من الانشطة والعمليات القائمة على المعلومات والمعرفة والاخلاقيات والطاقات البشرية، بما في تلك الاخيرة من الصفوة المعتمدين على القدرات الفكرية. ممن يسمون بعمال ذوي الياقات الذهبية الذين يتمحور تفكير الدول المتقدمة الآن على استقطابهم للمحافظة علىى الواقع التنافسي في ظل الاقتصاد العالمي.
   ومن الشواهد الدلالية على الطرح اعلاه ما توافر للدول الصناعية الكبري (اليابان والولايات المتحدة الامريكية وروسيا وكندا وبريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا) ولدول اخرى تتنامى قوتها الاقتصادية سواء كبرت كالصين او صغرت كسنغافورة، اذ يلاحظ عليهم جميعا ان اهم القواسم المشتركة "ثروة بشرية"، بمعنى بشر مدربين بشكل توافرت لهم عقول مفكرة مبدعة وقدرات فنية مناسبة وسمات سلوكية ايجابية مثل المبادأة والالتزام والولاء وادمان العمل والتجويد في الاداء والاخلاص وروح الفريق، وكل ذلك تحت مظلة "ادارة كفوءة وفاعلة" في مؤسسات القطاع الخاص "الشركات" على اختلاف انشطتها واحجامها، وكذا في مؤسسات القطاع العام "الحكومية" المعنيه بوضع البرامج والسياسات الداعمة لانشطة تلك الشركـات وتقديـــم الخدمات "الحكومية" التي تسهم في تعزيز فاعلية ادارتها، وهذا يؤكد على ان النفوذ الاقتصادي يجـئ عبر قوة اقتصادية تقـوم ليس على مـوارد طبيعية بل على مـوارد بشرية قـادرة على الادارة الفاعلــة وعلى الاداء الجـاد المثمـر للعاملين لتعظيـم القيمـة المضافـة وزيـادة الناتج القومـي في مختـلــف مجــالات النشاط الاقتصادي.
     ومما تقدم يتضح للقارئ المتعمق انه من بين أهم ما يميز الاقتصاد المعرفي هو انتشار النظم المؤسسية المعتمدة على المعرفة التي تشغل صناع المعرفة والتي تمتاز بثلاثة أبعاد:ـ البعد الأول:الكفاءة المتميزة في ضوء كيفية إظهار اللاملموسية القياسية لخدماتها، ويتم الاعتماد على هذه النظم المؤسسية لتوفير الحلول الإبداعية ومن هنا يتم التعاقد معها ومثالها الشركات الاستشارية ووكالات الإعلان ومستشارو الإدارة. البعد الثاني:خصوصية سوق العمل، حيث تعتمد تلك النظم المؤسسية على المعرفة وعلى أسواق العمل المهيكلة بنحو كبير جدا، والتي تنظم اكتساب المهارات من قبل الداخلين على يد المؤسسات المهنية. البعد الثالث:هو السياق التنظيمي والذي يؤثر على المدى الذي تتمكن فيه تلك النظم المؤسسية المعتمد على المعرفة من العمل في السوق الدولية او تتقيد بالمستوى القومي او المحلي.
   وإزاء ذلك فان من بين أهم متطلبات ذاك  الاقتصاد المعرفي:ما يلي ـ
  • الاعتراف بالمعرفة ورأس المال المعرفي كموجودات جوهرية وأكثر أهمية من الموجودات المادية الملموسة والتهيؤ لإدارة المعرفة استراتيجيا.
  • وجود هياكل تنظيمية شبكية ومرنة ونماذج وأنماط إدارية جديدة واستبدال الوحدات المركزية واللامركزية بوحدات معرفية مستقلة ومتصلة.
  • الإنتاج المتعدد والمتنوع للسلع والخدمات.
  • اعتماد التغيير الجذري لمواجهة الأزمات الاقتصادية كأولية حاسمة وتفضيلها على خيارات التحسين او التعديل والإصلاحات التدريجية الروتينية.
  • التركيز على مهارات وقدرات وخبرات الموارد البشرية.
  • تكاملية النظرة لدى الزبائن والمجهزين والمساهمين والمستخدمين وضرورة دمجهم بمصالح مشتركة.
  • توافر المواهب البشرية او راس المال الفكري المتنوع معرفيا.
  • بناء واعتماد نظم حوافز ومكافآت جديدة تركز على توليد معرفة جديدة وتكون بديلا عن النظام التقليدي المعتمد على العمولة والآجر المقطوع.
  • إقامة بيئة تنظيمية تعتمد على نشر المعرفة والمشاركة بها.
  • يتوقف استثمار المعرفة في النظم المؤسسية على قدرتها على توجيه المعلومات المناسبة الى الأفراد المناسبين والمحتاجين إليها في الوقت المناسب وبالشكل المناسب.
  اذ  ان التحول نحو اقتصاد المعرفة لا يعنى التحول الكامل من استغلال الموارد الخــام التـى تهيئها الطبيعة، ولا التحول نحو الاقتصاد التقليدي اذ تبقى الموجودات المادية هامة، ولكن الاهم فيها الافكار المبتكرة في كيفيـة استغلالها لزيادة المنافع الاقتصادية، فالنشاطات الاقتصادية في العالم اصبحت تعتمد وبصورة تصاعدية على المهام المتوفرة في الموارد البشرية على حساب الموارد الاقتصادية غير البشرية، كما ان هـذه الموارد اصبحت أهم العوامل الجاذبة للاستثمارات الاجنبية، كما ان المعادلة الاقتصادية التقليدية التى تحول الارض والمال والعمالة الى الثروة تصبح غير فعالة لان التنافس العالمي في مجالات مثل الاستثمار اصبح يعتمـد اكثـر على المهـارة لانتاج اكبر ما يمكن من راس المال المتــاح فالمعرفة اصبحت تمثل اليات الاقتصاد في النمو وخلـق الوظـائف، وان القـدرة التنافسية تعتمـد بشكـل متزايـد على المهـارات والمعرفة والابتكار وروح المبادرة. 
   مما لا يرقى للشك انه ليس من طريقـة لازدهار الاقتصاد المعرفي خصوصا في البيئات الاقـل تقدمــــا، سوى بجعل التعليم وانتاج المعرفة خلالها، بان يتحول الى اقتصاد تعليمي ريعي فقط يستخدم التقنية الحديثــة للوصول الى المعرفة الشاملة، وانما ايضا للاتصال مع الآخرين من اجل الابداع ، وهنا يأتي دور الراسمــال الفكري للمؤسسة الذي يتضمن من بين اهـم ما يتضمنه المعرفة لدى العاملين والابـداع والقـدرة العقلية والتنافسية، ويوجد الان دليل واضح على ان العنصر غير الملموس لقيمة التقنية المتقدمـة يفـوق القيـم الحقيقة لموجوداتها المادية "كالابنية والمعدات"، فالموجودات المادية لشركة مايكروسوفت تمثـل جـزء صغير جدا من تمويل السوق الخاص بها والفرق هو في رأسمالها الفكري، لان الاقتصاد القائم على المعرفة هو الذي يجعل اعتمادها بل المساهمة فيها جزءا أساسيا مـن أولوياتها، وهو الذي يبني على انتاجهــا واستهلاكها اذ تشكل المعرفة جزءا رئيسيا من ثروته ورفاهيته الاجتماعية، فالتقدم الحاصل في التقنيـة والتغيـر السريع الذي تحدثه في الاقتصـاد يؤثران ليس فقط في درجـة وسرعـة النمـو وانما في نوعيـة حيـاة الانسان كمورد بشري.
   ومن الملاحظ الآن ان جل المؤسسات المجتمعية تتحــول شيئـا فشيئـا نحــو ان تكــون شركــات قائمــة على المعرفــة وان المهــارة الاكثــر اهميــة لـدى المديريــن تتمثــل في مهــارة ادارة المعرفــة والتعامــل الفعــال مـع الافـراد لتأهيلهـــم لذلك، وحتى تلك التقليديــة منهـــا التى تتعامـــل مع المنتجــات الماديــة فانهــا معنية بالمعرفة، لان ابتكـار المنتجات او العمليات الجديدة كاساس للتفوق على المنافسين انمـا هو في جوهره عملية انشـاء لمعرفـة جديــدة، وان المعرفة جراء التعقيد في التقنيات المعلوماتية المستخدمـة والتخصص في ادارتها واستخدامها، اصبحت هي الاكثر قدرة على توليد النقود بالنسبة للمؤسسات والمجتمعـات على حــد سواء،ولذا لابـــد مــن العمــل على تشجيع التقاسـم المعلوماتي من اجـــل تنشيط المهــارات والخبرات والعمــل على تحفيزها لتولــد المعرفـة وبلــوغ القيمة والقيمة المضافة، التى لا تتسنى الا بادارة المعرفـة كاحــدى العوامــل الرئيســة لجــودة الاداء المؤسســي وزيــادة الانتاجيــة كما سنرى لاحقاعلى متن الورقة.
الوقفة الثانية : تنمية الرأسمال البشري لجودة الاداء المؤسسي.
    وازاءاً على ان المعرفة وظيفة بشرية يقتضي الامر من القيادة الادارية الذكية التركيز على الطرق التي تستخدم بها المعرفة، وتحديد الآليات التى تساعد في التعبير عنها والتحفيز نحو المشاركة فيها، وتعميق عملية نقلها ومن اجل تطبيقها من خلال تدريب الصف الثاني من القيادات الادارية. وتشجيع حركة انسيابية المعلومات لتوليد المعرفة في جو تحفيزي يسهم في تغيير السلوك التنظيمي، بشكل يعزز ثقافة التعاون والثقة والمسؤولية كما سنرى بشكل اكثر تفصيلا لاحقا، اذ ان القيادة الادارية تلعب دوراً بارزا في تحديث الثقافة التنظيمية حيث يتمثل في توجيههم لتفهم التحديات التى تواجه الاعمال وتدريبهم ليسلكوا السلوك الريادي في العمل وتعزيز الثقه فيهم واشاعة الثقافة التنظيمية التى تسمح بالعمل حتى لو أخطأوا وان يتعلموا من أخطائهم وأن يبنوا مقاييس اتخاذ القرار والمشاركة في الرؤى المستقبلية.
    لذا فان اهمية اختيار القيادات الادارية المستقبلية ووضع الخطط اللازمة لتنمية وتطوير ادائهم القيادي يعد في غاية الاهمية، اذ ان برامج تنمية وتطوير القيادات الادارية تسهم بفعالية في خلق راسمال بشري، من خلال صقل المعارف والمهارات والقدرات واجراء التغيير المرغوب في اتجاهاتهم وسلوكياتهم، حيث تساهم في الاكتشاف المبكر للذين لديهم مواهب وطاقات كامنة وقدرات تمكنهم من ان يكونوا مديري المستقبل. اذ ان مستوى أداء اي نظام مؤسسي يتأثر بمستوى أداء ودرجة كفاءة العاملين فيه، وهكذا نجد ان عمليات التطوير التنظيمي وزيادة الانتاجية وتحسين مستويات الاداء دائما تهتم في المقام الاول بالعنصر البشري والرفع من كفاءته، وان التخطيط لمثل هذه البرامج وتنفيذها سيتيح وبالتأكيد للمؤسسة إعداد مواردها البشرية وتكوينها وتأهيلها لمناصب قيادية مستقبلا، اذ ان إعداد القائد الاداري البديل وتكوين تلك الصفوف الثانية من القيادات الادارية غاية في الاهمية، باعتبار ان الوظيفة اختصاص دائم ومستمر بينما شاغلها غير مستقر، وهذا يؤدي بطبيعة الحال لافتقار النظم المؤسسية للموارد البشرية الكفؤة قياديا، مما يستوجب عليها ضرورة العمل على انتقاء وتجهيز قادة من الصف الثاني .   
   وتبعا لذلك يعد التدريب عملية مهيكلة منظمة ومستمرة من اجل تحسين اداءالمستخدمين الحالي والمستقبلي من خلال تسهيل انسياب المعلومات والمعرفة ذات العلاقة بالانشطة لصقل المهارات والسلوكيات المرتبطة بمواقف العمل، وتستهدف هذه العملية من بين اهم ما تستهدفه اعداد الموظفين على وجه التحديد من الصف الثاني ليصبحوا مدراء مستقبلا، بالتالي فالتدريب والتطوير المستمر لقدرات الموارد البشرية يخلق ميزة تنافسية مستدامة، لذا فان الفائدة التى تجنيها النظم المؤسسية من التدريب تتضمن ازالة قصور الاداء من طريق تحسين قدراتها البشرية وان تحسين نوعية وكمية الانجاز والاداء يؤدي الى تخفيض تكاليف الفاقد، ومع ضمان انتقال المعرفة بشكل مستمر تمنع تقادم قدراتها البشرية مما ينعكس على زيادة انتاجيتها ، ومن الجدير التنبيه الى ان هدف التدريب الرئيسي ليس زيادة الانتاجية فحسب ولكنه يسعى نحو ابعاد اسمى منها على سبيل المثال لا الحصر تحفيز القدرات البشرية وجعل ترقيتهم ممكنة، ومن ثم وهو الاهم تطوير مهارتهم من اجل تسهيل وصولهم الى شغل مراكز وظيفية قيادية .
     اذ يصنف الافراد وفق الاطار المؤسسي من ناحية الاداء الى اربعة اصناف وهم " النجوم، المجدّون، الكسلاء، المستخدمون المتعبون"  وهنا لاشك ان لكل مجموعة تحتاج لاسلوب خاصة من التدريب، ولعل ما يهمنا هو الصنف الاول والثاني ذوو الاداء المرتفع والقدرات الهائلة فهؤلاء تدريبهم يستهدف من بين اهم ما يستهدفه زيادة وتنمية قدراتهم من خلال زيادة احتمالات العمل في مركز اعلى يقدم قدرا اكبر من المسئولية في المستقبل كاساليب القيادة الادارية العصرية وفقا لتقنيات المعلومات والاتصالات وسرعة ومرونة اتخاذ القرارات ومهارات التفاوض والاقناع ..الخ، فالاداء المؤسسي هو سجل الحافل بالنتائج المحققه، بما يجسد سلوكا عمليا يؤدي لدرجة من بلوغ الاهداف المخططه اي درجة الانجاز بكفاءة وفاعلية، ربما هذا يستوجب علينا التركيز اولا على اعداد قدرات ومن ثم التوجه نحو ما يمكن انجازه، افضل من البداء بانجاز انشطة هناك من يجيد إنجازها افضل منا، ويتضح مما تقدم ان الاداء المؤسسي مرتهن بشكل اساسي بالقدرة على ادارة واستثمار الراسمال الفكري لدى النظم المؤسسية بصورة فعالة بما ينعكس بصورة ايجابية على مستوى الاداء والانتاجية والجودة التى تشكل بمجموعها عناصر التنافس الاستراتيجي بعيد المدى الذي لا ينتهي بمجرد ظهور منافسين جدد.
    وفي هذا السياق لابد من التطرق للراسمال البشري كاحدى اهم مكونات الراسمال الفكري كما سبق واشرنا في مطلع الورقة، حيث يعنى القدرة المعرفية المتراكمة والخبرات المكتسبة لدى العاملين وقدراتهم الذهنية والتي يمكن استغلالها في بلوغ اهداف النظام المؤسسي من خلال التفكير الابداعي فضلا عن بلوغ الاهداف الشخصية، وازاء ذلك فهو وقود عمليات البحوث والتطوير والانتاج في شتى مجالات الاداء، كما انه مصدر الابتكارات والاختراعات التى توثق باسم النظام المؤسسي كبراءات اختراع وعلامات تجارية والتى تكون تبعا لذلك موضع حماية كملكية فكرية وسبيلا اساسيا لتعزيز المركز التنافسي. لذا تهتم معظم الاتجاهات الحديثة  في الادارة بهذا الراسمال باعتباره اثمن اصولها وتسعى جاهده لرفع قيمته بما يسهم في كفاءة العمليات التنظيمية وفاعليتها واستمراريتها وتعظيم ربحيتها القيمية، وينظر اليه المديرون القياديون على انه سندهم لبلوغ الاهداف الاستراتيجية.
    ومن ثم توظيــف السيناريوهـــات التى من شأنهـا تعظيـم المــوارد الفكريـة والمعلوماتية من خـلال قيامهــا بجملة عمليات تتعلـــق بايجـاد وجمـع المعرفــة والمشاركة بها واعـادة استخدامها بهـدف ايجـاد قيمـة جديـدة مـن خلال تحسين الكفـــاءة والفعالية الفرديـة والتعاون في عمل المعرفة لزيادة الابتكار وتحسين اتخـاذ القرار، عنـدها تكون آليات ادارة المعرفــة التى تتضمن ايجـاد بيئـة مثيـــرة بالنســـق المؤسســي لتسهيـل عمليـة ابـداع ونقـــل ومشاركة المعرفــة بالتركيز على ايجـــاد الثقافـــة التنظيمية الداعمة من طريق القيادة العليــا ذات الرؤيـة الثاقبة وتحفيز الصـــف الثاني من خلال عمليـة ادارة المعرفـة التى يتــم بموجبهـا اكتشـاف وتجميـع واستخـدام الخبرات المتراكمة سواء كانت في وثائــق او قواعــد البيانات (معرفـة واضحــة)، او في عقــول الكوادر البشرية (معرفة ضمنيـة) لتحفيـز القـــادة المحتملين مستقبلا واضافــة القيمـة من خلال الابتكــار والابــداع.
    وتبعا لما تقدم فان مصادر اكتساب المعرفة قد تكون مصادر داخلية مثل مستودعات المعرفة، او من خلال المشاركة في الخبرات والممارسات وحضور المؤتمرات والندوات والنقاش والحوار والاتصال بين جماعات العمل والمدير الاقدم والزبائن والعاملين، وينتج عن ذلك إبداع المعرفة التنظيمية وقد تكون من مصادر خارجية تتولى الإدارة إحضارها عبر الحدود التنظيمية او المشاركة فيها ويساعدها في ذلك التطورات التقنية وماتقدمه من تسهيلات مثل المؤتمرات الفيديوية والشبكة الانترنت. ومن الجدير بالملاحظة انها تسهم في استقطاب عاملين جدد وخاصة المتميزين منهم، ممن اصطلح على تصنيفهم بالنجوم والمجدّون كما سبق واشرنا على متن السطور السابقة، وباعتبار ان توليد المعرفة يعنى ابداعها فان ذلك من خلال مشاركة فـرق العمل وجماعات العمـل الداعمـة، لتوليـد معرفة جديـدة في قضايـا وممارسـات جديدة تسهم في تعريـف المشكلات وايجـاد الحلـول الجديـدة لها بصـورة ابتكاريـة مستمـرة، فهـي مـن شأنهـا التزويـد بالقـدرة على التفـوق في الانجــاز وتحقيـق مكانـة سوقيـة عاليـة، وتطويـر مهــارات الصــف الثانــي ومساعــدة الادارة في توظيـف المواهــب والاحتفاظ بهــا، ولعــل هــذا يؤكـــد على ضرورة تفهـم ازدواجية المعرفـة والابتكـار، فالمعرفـة مصـدر للابتكـار والابتكـار بـــدوره يعـــود ليصبــح مصــدراً لمعرفــة جديــدة .

    ومن الجدير بالذكر ان عمليات ادارة المعرفة من اجل تعظيم الموارد المعرفية تلك تتضمن من بين عملياتها تخزين المعرفة لتمثل الذاكرة التنظيمية، والتى تحتوى على اشكال مختلفة الموثقة بما فيها المكتوبة ورقيا والمخزنة الكترونيا "قواعد البيانات" و"النظم الخبيرة"، هذا بالاضافة الى الضمنية بما فيها من معرفة موجودة في الاجراءات ومتضمنه بالعمليات والمكتسبة من اذهان الافراد وشبكات العمل، وانه مع الزمن تتراكم تلك الذاكرة التنظيمية، ولعل ما يساعد في ذلك البرمجيات والتجهيزات التقنية، اذ تلعب تقنيات المعلومات والاتصالات دوراً مهماً في تحسين وتوسيع الذاكرة التنظيمية وتسهيل الاسترجاع. اما عن سيناريو تطوير المعرفة فانه يركز على زيادة قدرات ومهارات وكفاءات الكوادر بالنظام المؤسسي، وهذا بطبيعة الحال يقود الى الاستثمار في الراسمال البشري الذي ينعكس على قيمة النظام ويعزز من جدراته التنظيمية الادارية.
    ويجدر التنوية الى دور إدارة المعرفة في اعداد القيادات الادارية بتوزيع المعرفة وبثها من اجل تطبيقها، فإذ لم تقم المؤسسة بالتوزيع بشكل كفء فلن تولد عائداً مقابل التكلفة، خصوصا فيمايتعلق بالمعرفة الضمنية الكامنة في العقول، ويجدر التنبيه الى ان هذا النمط الضمني يتأت من اجراءات العمل وخلال تعليم للاخرين. وهذا يستوجب ايجاد ما يعرف بالتعليم التنظيمي والشرح والذي يتطلب التجريب والتدريب مما يحسن مستوى المعرفة ويعمقها، إزاء ذلك لابد ان يؤخد تطبيق المعرفة في المقام الاول، وانه لايوجد عملا بدون اخطاء وما على ادارة المؤسسة الا ان تستوعب ذلك وتجدر مفهوم التسامح كثقافة تنظيمية. لذا فانه يعد بمثابة خطوة ايجابية لضمان القوة الحاضرة والمستقبلية لان تطبيق المعرفة أكثر أهمية من المعرف نفسها، اذ انه لن تقود عمليات الابداع والتخزين والتوزيع الى صقل قيادات الصف الثاني ومن ثم تحسين الاداء التنظيمي مثلما تقوم به عملية التطبيق الفعال للمعرف، على وجه الخصوص في العملية الاستراتيجية وتحقيق التميز والجودة.
     ومن المفيـد التنبيـة لقضيـة ربمـا تكــون ليسـت بجديـدة على البعض، ولكنهـا غايـة في الخطـور والاهميـة على حــد ســواء لمستقبـل النظـم المؤسسية، الا وهـي ان احتمالات فقــدان الخبـراء او العامليـن بما لديهـم مــن معرفـة ضمنية، نتيجـة التقـادم وتعاقـب الأجيـال يشكـل اكبـر تحـدي مما يستوجــب إعــادة اكتشـاف المعرفـة، اذ من البديهية فقــدان النظم المؤسسيـة للمعرفـة الضمنية مــع تــرك المستخدميـن لوظائفهــم لأنهـم يَأْخـــذُ "ضمنيتهــم" معهــم. فعلـى أقــل تقديـر ان نصــف المعرفـة التنظيميـة معرفـة غيـر ظاهــرة اي تعـد ضمنية، بالتالــي فهـي معرضة للفقـدان بمغــادرة أصحابهــا، وان عمليـة الإعـداد والتعليـم والتدريـب (الرأسمالِ البشـري) يَستغـرقُ سَنَـواتَ، لـذا فهـذا يعــد مـن بين أهــم التحديــات التى تواجهـه اغلــب النظــم المؤسسيـــة دون شــك.
    وفي هذا المنعطف الحرج يتضحأهم تحديات إدارة المعرفة على البيئة العربية، والتى تكمن في افتقارها للرأسمال البشري نتيجة أزمة هجرة كفاءتها بسبب نقص جديـة استثمارها للموارد البشرية بصورة مستدامة من جهة، وإحكام سيطرة الدول المتقدمة على حقوق الملكية الفردية في ظل العولمة من جهة ثانية، إضافة الى لضعف اهتمامها بالتوثيق كذاكرة تنظيمية مما يجعل النظم المؤسسية تواجه خطرا كبيرا نتيجة لفقدانها للكثير من المعرفة التي يحملها الأفراد الذين يغادرونها لسبب أو لآخر. باعتبار ان المعرفة قابلة للتلف والتقادم، وان عمر الخبرة محدود بسبب التقنيات المتجددة فلا يمكن اقتصار المعرفة على فئة محددة بل ينبغي على كافة الأفراد بالنظم المؤسسية ان يجددوا معلوماتهم بصورة دائمة، ولعل في هذه ما يؤكد على أهمية ضرورة التقاسم والتشارك في المعرفة كأحد عمليات إدارة المعرفة الرئيسة، ومن طريق التوثيق يمكن السيطرة على المعرفة (الظاهرة) التي في صورة أوعية رقمية او ورقية بعد تهيئتها بطبيعة الحال، ومن طريق التحاور وبرامج التدريب والتعليم المستمرين يتم التحكم في نمط المعرفة (الضمنية) وترجمتها لمعلومات وتجسيدها في ممارسات عمليه وفـق اجواء تنظيمية مناسبة بما ينعكس ايجابيا على تحسين الأداء المؤسسي.
    وفي نفس السياق قد أوضحت نتائج احدى الدراسات الاجنبية ان المؤسسات التي لديها مستويات عالية من الثقة أكثر نجاحا في مبادرات إدارة معرفتهم من تلك ذات المستوى المنخفض من الثقة، بالتالي فان الثقة ضمن نسق الثقافة التنظيمية يمكن استخدمها كمؤشر لقياس احتمالية زيادة فرص نجاح مبادرات إدارة المعرفة والتقليل من نسبة المخاطرة، لذا من اجل التميز والنجاح لابد من جعل الهدف الاسمي تطويع الفكر والعمل، وهذا يعتبر حجر أساس نجاح النظم المؤسسية في إيجاد ثقة عاليه تمكن من التشارك والتقاسم المعرفي بشكل يخلق القيمة المعرفية، وبما يهئي تبادل المهارات والخبرات والآراء بين الخبراء القياديين والصف الثاني، الأمر الذي يؤثر تأثيرا ايجابي على طبيعة الأداء نحو التحسين والكفاءة، ويخلق قيادات جديدةومن ثم وتحقيق والتقدم الاقتصادي. اذ هنالك اعتقاد راسخ بأن الثقافة التنظيمية مع وجود مستوى عالي من المؤانسة يؤدي الى  مستوى عالي من الثقة، لاشك ان الثقة بالجدرة تأخذ وقتا طويلا لبنائها على العكس من هدمها، لاشك ان لها منافع كثيرة كتحفيز الابداع الذي يؤدي الى تعظيم الاستقرار بالكيان التنظيمي ويسهل من القبول والرضاء وتقريب وجهات النظر وتشجيع تخطي مخاطر ضعف الثقة بالاعتراف بالافكار الجيدة، لذا فانها مهمة جدا لكافة النشاطات والفعاليات التى من شانها إشاعة التسماح والعمل معا دون اضظرابات مما ينعكس على بيئة العمل بالتميز والتنافس.
    كما اوضحـت نتائــج دراســة اخـرى عربيــة اجريـت حديثـــا في دولـة الإمارات العربية المتحـدة، عـن مـدى إمكانية تطبيـق إدارة المعرفـة وعلاقتهـابرفـع مستـوى الأداء في المؤسسات، حيث تبين أن:كـل مـن دعـم الإدارةالعليـا ،ثقافـة المؤسسـة، البنيـة التحتيـة للمؤسسة،تقنيـة المعلومـات، الحوافـز ،وضـوح الأهـداف هـي مــن أهـــم العوامـل الرئيسة التــي تساعـدعلى الإفــادة من تطبيق إدارةالمعرفــة كأحـدى الطـرق المبتكـــرة في مجـال .    ومن الجدير بالذكر ان هنالك رؤى مختلفة للمعرفة تنعكس بطبيعتها على مداخل ادارتها ويمكن التمييز في هذا الاطار بين أربعة مداخل، أولها مدخل اقتصادي يجعل من ادارة المعرفة مرادفاً للرأسمال الفكري او اعتبارها احد عناصره، وينطلق المدخل الثاني من كون المعرفة بنيانا اجتماعيا، وينظر المدخل الثالث الى المعرفة كشئ يمكن تخزينه وتصنيفه وتدواله باستخدام تقنيات المعلومات، اما المدخل الرابع فهو مدخل اداري يركز على ادارة المعرفة باعتبارها مجموعة من العمليات والاجراءت، واذ ما اتفقنا جدلا على ان ادارة المعرفة مرادفاً لرأسمال الفكري، فهي النشاط المرتبط باستراتيجيات وتكتيكات ادارة راسمال الفكري اي انها لاتعدو اكثر من كونها آليه للرأسمال الفكري وادارة الاصول التي تستخدمها النظم المؤسسية بكامل امكانياتها، لذا فان المجتمعات تدخل مرحلة مجتمع المعرفة الذي لم يعد فيه الفرد هو المورد الاقتصادي الاساسي بل المعرفة التي يمكن تحويلها الى راسمال يتكون من الاصول غير الملموسه التي لا تظهر في الميزانية والتي يمكن ان تشمل مهارات العاملين والمعلومات وحقوق الملكية والاستخدام الابتكاري للاصول، وهذا يؤكد بان  هنالك ثلاثة عناصر للراسمال الفكري وهي راسمال بشري، تنظيمي، العملاء كما سبق واوضحنا.
    لاشك في ان الهدف الاساسي لادارة المعرفة التنظيمة من اجـل الارتقـاء بالاداء وتكويـن الكفاءات يتم تخزين المعرفة والتشارك فيها وتوزيعها ، اي ان السمـة المشتركة للتعلـم التنظيمي وادارة المعرفـة هي التشارك في الافكار وتقاسمها وتطوير معرفـة جديـدة التى ينتـج عنها بطبيعة الحـال اضافة للاصول المعرفية التنظيمية من خلال ذاك التفاعـل المتبادل التعليم التنظيمي "التدريب" وادارة المعرفـة، ذلك مـن اجـل ان خلـق قيـادة تلعـب دورا بالـغ الاهمية في الثقافة التنظيمية، فالقائـد الاداري هو النموذج المحتـذى وهو المسؤل عـن بنـاء واستمرار ونجاح النظم المؤسسية اذ يستوجـب ان يكون مبتكرا وخلاقا لاساليب وطـرق جديـدة من شأنها زيادة وتطويـر قـادة المعرفة من طريـق اشراك العاملين واخـذ آرائهم في الاعتبـار لكـي يضمن وجود رؤية واحدة تسود المؤسسة.
      لذا يعد من ضمن منهجيات تطبيق إدارة المعرفة بنجاح في المؤسسات على مختلف أنواعها الاهتمام بتشجيع الابتكار والتأكيد على فرص التعلم والتدريب المستمرين لقادة المسقبل، مع توفير فرص المشاركة في التحاور والتفاوض، والتأكيد على تشجيـع ومكافـأة روح التعـاون بصورة دائمـة "التحفيز"، من اجل تأسيس أنظمة للاستيعاب ونشـر المعرفة والمشاركة بها، وتحديد القادة ودعمهـم على كافة المستويات القيادية، كذلك تطويـر الفهـم المشترك على المستويات المعنية أولا ثــم يتـم التحول تدريجيا للمستويات الأخرى، لكـي يتمكن العاملين بالبدء في المناقشات وتداول الحــوار ليتضح لهم ما الذي يشكل أساس المعرفـة لانجـاز أعمالهم كما ينبغي، بحيث يجـب التركيز على تدفــق وانسيـاب المعرفـة بين الأفـراد والإفـادة منهـا في توليـد معرفـة جديـدة أكثـر مـن الاهتمام بتخزينها تقنيـا فحسب، باعتبار ان تلك الاخيرة ليست ادارة المعرفة بل هي مجرد اداة من ادواتها كما سبق واشرنا في مطلع الدراسة.
الوقفة الثالثة : رؤية استشرافية لتطبيق إدارة المعرفة في تنمية القيادات الادارية
    ان التخطيط لا يتعلق بالتنبؤ بالمستقبل ولا بالسيطرة على ذاك المستقبل، بقدر ما يتعلق بالتعامل مع ما الذي سيحدث في المستقبل لذلك اذا استطعنا ان نتعامل بدقة مع التطورات المستقبلية فسوف ننجح ونسهم في تحسين مستوى الاداء المؤسسي ودعمه واسناده بقيادات حكمية، ولكن اذ فشلنا في التعامل لاشك ستكون النتائج مؤديه الى حد بعيد. لذا فان التخطيط يتطلب من بين اهم ما يتطلبه الإلمام بأساليب إدارة المعرفة كأحد أهم مشاهد التطورات العصرية، وان تحقيق ذلك دون شك يعد غاية بالغة الأهمية. لما فيهم من أهمية لضمان حسن اداء النظم المؤسسية التى تتضمن إضافة إلى دعم "القيادة" وجود بناء تحتي بمعنى ثقافةِ تنظيمية وأدوات تقنيةِ، وقياسِ وتقييم كُلّ ما هو ضروري لمساندة تطبيق برامج وعمليات ادارة المعرفة، اذ لا شيء لوحده كافي لابد من توافر كافة الجوانب، حيث كشفت نتائج دراسة مسحية ان حوالي 90 % مِنْ المستجيبين وافقَ بشدة على أنّ القيادةِ متغير مهم ومساعدة علي إدارةِ المعرفة، وتاليها العمليات ثم الثقافة والتقنية والقياس او التقييم.
   وبمعنى أخرى اكثر وضوحا ان العمليات"Process" تلك تتضمنتنظيم المعرفة من تصميم وتوصيف للمعرفة المتوافرة واسترجاعها، من اجل التشارك فيها وتبادلها بين الأفراد داخل الاطار المؤسسي وخارجه. ومن طريق استخدام الأنظمة والبرامج كتقنيات"Technology"التّنقيب عن البيانات Data Mining، مخازن البيانات Data Warehousing، خرائط المعرفة Knowledge Mapping، الإنترانت Intranet، المكتبات الإلكترونية Electronic Libraries، الحوار Dialogue، ممارسات المجموعات Communities Of Practices...الخ، من شانها المساعدة في  إرساء أسس الثقافة التنظيمية Cultureبما يمكن قيادة المؤسسة Leadershipمن إدارة المعلومات والمعرفة وتوليد معرفة جديدة مؤثرة في سلوكيات الأداء لتحقيق التنافس والتميز.من جهة، والتكمن من رعاية الصف الثاني من القيادات الادارية من جهة اخرى.
    اذ ان للإدارة العليا مهمـــة رئيســـه الا وهــي دعـــم وتشجيـع الموظفين على المشاركة بالمعرفة وتحفيزهم على المشاركــة مــن طريـــق تعليــم الموظفين لكيفية تطبيـق ما تعلّمـوه وكيفية مشاركتهم بما يملكون من معرفــة وكيف يمكن تفسيــر تلك المعرفة وترجمتهـا لمهارات وسلوكيات لتحسين الأداء، اذ إن تغييـــر الثقافة والسلوك (طبيعة البشر) ليسـت سهلـة وتستغرق وقتـــا لـيس بالقصير، ويعتمـــد على أمــور كثيرة منها ما يتعلـــق بطبيعة النســق المجتمعي، ومنها ما يتعلــق بالأمــور الشخصيــة، وما يتعلــق بقـوة النظام المؤسســي ذاتــه، ولكـــن العامـــل الأساسي والرئيسي الــذي يساعدهــا على تغييــر الثقافـــــة هو عامــل الحوافـز، اذ انعــدم التحفيــز يـؤدي الى طمـــس الإبــداع دون شك.

 &nb
المصدر: د. حنان الصادق بيزان أكاديمية الدراسات العليا، ليبيا

أهم المشاركات