السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ........ أهلا ومرحبا بكم في ساحة التنمية البشرية والتطوير الإداري

الجمعة، 6 مايو، 2011

التدريب على رأس العمل.. النظرية والتطبيق


أصبح التدريب على رأس العمل مفهومًا رائجًا في الأوساط الإدارية والتدريبية في المملكة، وهناك العديد من الجهات التي تقدم هذا النوع من التدريب سواء كانت جهات حكومية أو خاصة، وتتزايد الحاجة إلى هذا النوع من التدريب في ظل التغيرات التقنية المتلاحقة في أساليب العمل وآليات الإنتاج، وفي الوقت الحالي تبرز قطاعات رائدة في تقديم برامج متنوعة من الدورات التدريبية على رأس العمل من بينها المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني ومعهد الإدارة العامة ومراكز وكليات خدمة المجتمع والتعليم المستمر، ناهيك عن المئات من معاهد التدريب الخاصة، لكن يبقى السؤال عن فاعلية وجدوى وأثر هذه البرامج في تطوير وترقية مستوى أداء العاملين في، وهل تتناسب هذه الدورات مع الاحتياجات الفعلية للموظفين، الواقع أن هناك أسئلة متعددة في هذا السياق نجملها في التالي:
• ما مدى تفاعل المنظمات الإدارية والإنتاجية في العالم العربي حكومية كانت أو خاصة مع المفهوم الحقيقي للتدريب على رأس العمل؟
• وما المقترحات والأفكار والآليات المناسبة للتوسع في هذه البرامج بما يتناسب واحتياجات موظفي القطاعين العام والخاص؟

الدكتور محمد ناصر البيشي أستاذ الإدارة المشارك بمعهد الإدارة يشير إلى أن التدريب على رأس العمل (التدريب العملي) هو المعنى الحقيقي للتدريب وهو ما يميز التدريب عن التعليم وغيره وقد كان مهمة التدريب على رأس العمل موكلة للمشرف لكنها نقلت تدريجيًا من المشرف للمدرب. ويتحدث البيشي حول العلاقة بين التدريب على رأس العمل والتدريب خارج مقر العمل ويعتبر أن له ثلاث حالات هي:
1- حالة التسلسل تدريب نظري ثم عملي.
2- حالة التزامن بين العملي والنظري.
3- حالة الاكتفاء بالتدريب العملي.
وعن تفاعل المنظمات مع التدريب على رأس العمل وخصوصًا من يقدم تدريب على رأس العمل لغير العاملين فيه مثل تدريب متدربين من الكليات التقنية أو الجامعات العملية أو معهد الإدارة العامة لدى منظمات خاصة أو عامة، يعتقد البيشي أن جميع المنظمات من منطلق مسؤوليتها الاجتماعية تدعم التدريب وتسعى لعلاقة حسنة مع جهات التدريب ولكن التدريب على رأس العمل فيه تكلفة ومشقة وأحيانًا خطورة في تلف الأجهزة وتسريب أسرار العمل وتأثير سلبي على الإنتاج. ويضرب البيشي مثالًا لهذا الجانب بقسم أشعة في مستشفى خاص أو عام ويتقدم طلبة للتدريب على هذا القسم فالملاحظ هنا في الغالب أن الحيز ضيق والأجهزة حساسة والمرضى ينزعجون من التجمهر والمشكلة أن تلك الأعداد التي تطلب التدريب في زيادة. ولقد عايش البيشي التجربة بنفسه في التدريب الصحي حيث كانت الخيارات لحل هذه المعضلة تنحصر في أمرين أولهما تقليل العدد وثانيهما تقديم تدريب صوري.
ويواصل البيشي حديثه ويقول «طبعًا خيار التدريب الصوري مرفوض لأنه خيانة للأمانة وخيار تقليل العدد يواجه الضغوط حيث لا توجد ضوابط لاعتبار الأولية حلاً عدا العرف الذي يقضي بإعطاء المتدربين من جهات حكومية أولوية في الجهة الحكومية».
ويستطيع البيشي القول بأن تفاعل المنظمات في التدريب على رأس العمل يتناقص والسبب أنه يؤثر سلبًا على سير العمل ويعرض الإمكانيات المتاحة من أجهزة وغيرها للعطل.
ويتوقع البيشي أن تفاجأ جهات التدريب في القطاع الخاص في المجالات الطبية والهندسية والبنكية بعدم وجود فرصة حقيقية كافية للتدريب على رأس العمل وهذا ناقوس خطر جدير بالمناقشة، وكل هذا على العكس تمامًا من التدريب الإداري فتفاعل الأجهزة ممتاز لأنه لا يكلف كثيرًا ومن السهل اكتسابه كما أن الأجهزة الإدارية كثيرة مقارنة مع الطبية والهندسية.
أما محمد أحمد إسماعيل مدير عام المكتب العربي لتنمية الموارد البشرية، المشرف العام على المنتدى العربي لإدارة الموارد البشرية، فيشير إلى أن التدريب على رأس العمل أحد أشكال التدريب التي لاقت قبولًا واسعًا من الشركات في الوقت الحالي. وبالرغم من حداثة هذا الاهتمام إلا أن هذا لا يعني حداثة الفكرة. فالتدريب على رأس العمل في حد ذاته شكلًا قديمًا من أشكال التدريب.
ويعرف إسماعيل التدريب على رأس العمل بأنه «شكل من أشكال التدريب المستخدمة لتدريب موظف على القيام بمهام وظيفة جديدة داخل مكان العمل وأثناء قيامه بهذه الوظيفة»
وبمعنى آخر بحسب إسماعيل فإن هذا التدريب يقدمه الموظف الأقدم (الذي يقوم بدور المدرب) للموظف الجديد (وهو المتدرب) في مكان العمل (الذي هو الفصل التدريبي) باستخدام مواد تدريبية هي في الأساس نماذج ومستندات وأدوات عمل حقيقية.
ويضرب إسماعيل عددًا من الأمثلة لتوضيح كيف يتغلغل هذا الأسلوب التدريبي في الأنشطة اليومية للموظفين والعمال:
1. تدريب المدير المباشر لأحد الموظفين الملتحقين للعمل بإدارته على الدورة المستندية بالإدارة وطبيعة عمله والمهام التي يجب عليه القيام بها والأطراف ذات الصلة التي يجب التواصل معها للقيام بدوره بالشكل المطلوب.
2. برامج التوجيه الوظيفي Orientation: التي يتلقاها الموظفون الجدد حال انضمامهم للعمل بالشركة والتي تهدف إلى تسهيل اندماج الموظف الجديد داخل الشركة.
3. طريقة الملاحظة: والتي من خلالها يقوم الموظف المدرب بممارسة عمله بشكل اعتيادي بينما يقوم الموظف المتدرب بملاحظة وتسجيل كل ما يقوم به المدرب. وتستخدم الملاحظة بشكل كبير في التدريب في مواقع الإنتاج.
كما يلفت إسماعيل إلى أن التدريب على رأس العمل يستمد قوته من تميزه فهو يحقق للشركات والمصانع عددًا من الميزات التي لا تتوفر في التدريب التقليدي ومنها:
1. انخفاض التكلفة المالية مقارنة بالتدريب الخارجي.
2. إمكانية تنفيذه وفقًا للخطة الزمنية التي تناسب الشركة إذ لا يوجد ارتباط بجهة أخرى خارجية.
3. يساعد في نقل الخبرات بين الموظفين وبالتالي بقاء «سلة المهارات» بالشركة عند مستوى مرتفع.
4. يفتح الباب لحوار ونقاش ايجابي بين الموظفين حول أساليب وطرق ممارسة العمل وبالتالي يسهم في ابتكار طرق وأساليب جديدة وتطوير للقديم منها.
5. ينمي روح التعاون بين العاملين وبالتالي يزيد من فاعلية فريق العمل.
ويعرج إسماعيل للحديث حول واقع التدريب على رأس العمل بالمنظمات العربية ويشير إلى أنه كأحد الأنشطة الإدارية يعاني من المشكلات التي تعانيها الإدارة بشكل عام في عالمنا العربي. فالنظرة المقارنة بين تطبيقات وأدوات التدريب على رأس العمل في بلادنا العربية وفي البلاد الأخرى تبين لنا ذلك الفارق الرهيب بين ما نحن عليه وما ينبغي أن نكون عليه.
ويسلط إسماعيل الضوء على عدد من النقاط الهامة التي توضح واقع التدريب على رأس العمل في منظماتنا العربية من ذلك:
1. التدريب على رأس العمل تدريب رسمي FormalTraining:
فالتدريب على رأس العمل أحد أشكال التدريب الرسمي وبالتالي يجب أن يتسم بما يتسم به التدريب الرسمي أي أن يخضع للمراحل الخمس التي تمر بها العملية التدريبية وهي: التحليل Analysisثم التصميم Designثم التطوير Developmentثم التنفيذ Implementationثم التقييم Evaluation
إلا أننا - والحديث لإسماعيل - من واقع معايشتنا للتطبيقات العملية للتدريب على رأس العمل في المنظمات العربية نرى أنه لا يأخذ ما يستحق من الاهتمام كما أن غالبية الشركات العربية تعتقد أن المدير الجيد ومشغل الآلة الجيد هو مدرب جيد بالتبعية وهذا اعتقاد خاطئ تمامًا فلا بد أن ندرب موظفينا وعمالنا كيف يصبحون مدربين ناجحين وكيف يمكنهم القيام بعملية تدريبية ناجحة.
2. المعارف والمهارات قبل الإجراءات:
والمقصود هنا أنه يجب أن نسعى إلى استخدام التدريب على رأس العمل لنقل المعارف Knowledgeوالمهارات Skillsوألا نقتصر ذلك على الإجراءات Proceduresوللأسف الشديد هذه مشكلة تعاني منها غالبية عمليات التدريب على رأس العمل في شركاتنا العربية.
إذ يركز المدرب على تدريب المتدرب على خطوات إنجاز العمل فيبين له أن البداية تكون من هذه النقطة ونستمر مرورًا بالنقاط س وص وع انتهاء بالنقطة ل.
ويغيب عن المدرب أن يسأل نفسه أولًا عن مدى جاهزية المتدرب معرفيًا ومهاريًا للقيام بهذا العمل. كما أن التسلسل المنطقي لهذه العملية أن نقيم خبرات ومهارات المتدرب أولًا وبناء عليه يتم تصميم باقي خطوات العملية التدريبية بما يكفل إلمام المتدرب بالمهارات والمعارف والإجراءات اللازمة لقيامه بعمله بالشكل الأنسب.
3. التقييم «الخطوة المفقودة دائمًا»:
التقييم هي خطوة لازمة لأي عملية تدريب سواء كان تدريبًا اعتياديا أم تدريبًا على رأس العمل، إذ لا يتصور أن هناك عملية تدريبية لا يعقبها تقييم يوضح نتيجة هذا التدريب ونقاط القوة وكيف نثريها ونقاط الضعف وكيف نتغلب عليها.
إلا أن الواقع العملي يما يخص التدريب على رأس العمل يثبت لنا دائمًا غياب التقييم بالدرجة التي تدعونا الى أن نسميها «الخطوة المفقودة دائمًا».
وهذا الغياب لخطوة التقييم لا نقصد به غياب ممارسة التقييم بل إن الأمر يبدأ بغياب الوعي بأهمية التقييم وضرورته ثم غياب التخطيط لهذا التقييم وغياب أدوات التقييم وأخيرًا غياب الممارسة.
4. غياب الصورة العامة BigPictureعن ذهن المدرب:
وهذه المشكلة من أكثر المشكلات شيوعًا في عملية التدريب على رأس العمل في بلادنا العربية ويقصد بها أن المدرب أثناء التدريب يغيب عنه شرح الصورة العامة التي تضبط مهام هذه الوظيفة التي يجرى التدريب عليها وهناك مثال عايشته بنفسي في أحد المصانع ففي أثناء عملية تدريب على رأس العمل لفني جديد قام الفني بتوجيه سؤال عن أهمية إحدى النتوءات الموجودة في قالب الصب المستخدم في إنتاج علب الهدايا. إلا أن المدرب لم تكن لديه المعرفة بأهمية هذا النتوء. وأشار على المتدرب أن يبقى هذا النتوء كما هو. وبعد انتهاء عملية التدريب واستلام الفني الجديد لعمله لم يعجبه ذلك النتوء وأحس بأن إجابة المدرب لم تكن شافية فقام بالفعل بإزالة النتوء واستمر العمل لأيام تالية دون حدوث مشكلات. إلا أنه في نهاية الأسبوع تم رفض كامل الطلبية لعدم وجود هذا النتوء الذي هو جزء بالغ الأهمية في مرحلة التشطيب النهائية.
إن غياب الصورة العامة عن ذهن المدرب يشكل تهديدًا كبيرًا للتدريب على رأس العمل ولذلك لابد من الانتباه بشدة عند اختيار المدرب أن يكون ممن لديهم دراية واسعة بالخطوات والعمليات المرتبطة السابقة واللاحقة لعملهم وكيف يساهم أثناء أدائه لمهام عمله في دعم الخطوات الأخرى والأطراف ذات الصلة بعمله وإن كانت في نهاية خط الإنتاج.
5. أخطاء المتدربين المتكررة:
هناك مجموعة من الأخطاء المتكررة التي تعيق نجاح عملية التدريب على رأس العمل بسبب نقص خبرات القائمين بالتدريب في إدارة عملية التدريب نذكرها بإيجاز مثل:
a. زيادة المادة التدريبية بشكل كبير مقارنة بالوقت المحدد للتدريب.
b. سرعة المدرب في التدريب ظنًا منه أن هذه الأمور بسيطة وسهلة.
c. نقص مهارات التواصل لدى المدرب.
d. عدم قدرة المدرب على التعامل مع الفروق الفردية للمتدربين.
e. نقص الدافعية لدى المدرب.
f. إنشغال المدرب وبالتالي عدم انتظام عملية التدريب.
وحول المقترحات والأفكار والآليات المناسبة للتوسع في برامج التدريب على رأس العمل بما يتناسب واحتياجات موظفي القطاعين العام والخاص يسرد د.محمد البيشي عددًا من المقترحات هي:
1- اعتبار التدريب جزءًا من العمل ويكون من ضمن التقارير ان المنظمة دربت لحساب الغير عددًا من المتدربين ويراعى ذلك في تصميم المكان وصيانة الآلات.
2- تنمية مهارات التدريب المقنن على رأس العمل وهو تدريب مؤسسي تحدد فيه الاحتياجات، تصمم فيه البرامج، له حقائب تدريبية، يؤهل فيه المتدربون ويقاس فيه أثر التدريب ولا يختلف عن التدريب إلا في المكان حيث تستبدل القاعة بمقر العمل.
3- وضع لائحة إرشادية تنظم العلاقة بين جميع الأطراف وخصوصًا في المسؤولية الإدارية والجنائية.
4- التوسع في إنشاء المنظمات الإنتاجية التعليمية مثل المستشفيات التعليمية ومثل أسلوب الزراعة في إنشاء مزارع تعليمية أو بحثية ولابد من وجود ورش تعليمية ومصانع تعليمية.
5- التوسع في برامج التدريب المنتهي بالتوظيف وهنا يكون للجهة الحق في رفض وقبول بعض المتدربين.
6- تجزئة مدد التدريب العملي في المنهاج الدراسي على فترات متعددة وليس تجميعه في فترة واحدة، وحينما يصمم المنهج للتدريب العملي يجب أن ندرك أنه قد يكون غير ممكن في المجالات الصحية والهندسية والبنكية.
7- دفع مقابل مادي لمنظمات القطاع الخاص ليكون مجالًا من مجالات الاستثمار خصوصًا في حالة ركود السوق.
8- منح جوائز للمنظمات والشركات التي تتيح فرصًا أكبر للتدريب العملي.
9- إرسال بعض المتدربين لمنظمات خارج المملكة حيث يوجد دول يمكن استقبال متدربين وخصوصًا المنظمات العالمية.
10- التوسع في شبيهات الواقع العملي لتقلل المدة وترفع من المهارة وهو أسلوب مطبق في التدريب في علوم الطيران.
11- التوسع في استخدام التدريب العملي عن بعد فقد تكون هناك كاميرا حية على اجتماع مجلس إدارة ثم يتم التدريب على مهارة إدارة الاجتماعات أو في غرفة عمليات وهو أسلوب مطبق في التدريب الطبي وما لا يدرك كله لا يترك جله.
12- الاعتراف بأن غالبية التدريب على رأس العمل أقل بكثير من الطموح وغالبًا يكون الاعتراف بالمشكلة مفتاح لحلها.
محمد إسماعيل هو الآخر يبدي ثلاث مقترحات رئيسية هدفها القضاء على المشكلات التي يواجهها التدريب على رأس العمل وهذه الاقتراحات بحسب إسماعيل لن تكون بمعزل عن حل المشكلات الإدارية بشكل عام والمقترحات هي:
أولاً: تضمين التدريب على رأس العمل ضمن الخطط الاستراتيجية للمنظمات فبرامج التدريب على رأس العمل تعاني من تهميش كبير. ولا بد من وضع نشاط التدريب على رأس العمل موضع الاعتبار عند وضع الخطط الاستراتيجية للشركة.
فنجده ضمن الخطة العامة لإدارة الموارد البشرية ومترجمًا إلى سياسات عمل مفصلة وخطط ونماذج مخصصة لنشاط التدريب على رأس العمل وبالتالي يكون جزءًا من النسيج الإداري للشركة أو المصنع.
ثانيًا: النظرة العلمية لا الشخصية: أي أننا يجب أن نخطو في اتجاه تفعيل هذا النشاط بخطوات علمية لا بوجهات نظر أو توجهات شخصية وهو ما يعني إعداد برنامج للتدريب على رأس العمل مشتملًا على الأهداف والأدوات والخطط الزمنية لهذا النشاط ويتم مراجعة هذا البرنامج بشكل دوري دون الاعتماد على توجهات الأشخاص.
ثالثًا: تهيئة الأطراف ذات الصلة: فأحد أكثر مشكلات التدريب على رأس العمل شيوعًا تكمن في عدم كفاية القائمين على التدريب ونقص تأهيلهم في ناحية إعداد وإدارة البرامج التدريبية.وهناك بالطبع أطراف أخرى عديدة تحتاج إلى تهيئة بالتوازي مع تهيئة القائمين على التدريب منها تهيئة المتدرب نفسه وتهيئة مكان التدريب وتهيئة وقت التدريب.

أهم المشاركات