السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ........ أهلا ومرحبا بكم في ساحة التنمية البشرية والتطوير الإداري

السبت، 30 أبريل، 2011

التدريب القائم على القدرات .


ان فكرة التدريب القائم على القدرات (CBT) (Competency - based training) قديمة وحديثة في نفس الوقت حيث بالرغم من قدمها الا انها مازالت تستخدم الى وقتنا الحاضر خاصة في مجالات التدريب بل وافق استخدامها ليصل الى التعليم العالي وكذلك الفني والمهني. وفكرة هذا النمط من التدريب تم فرضه من امريكا في الستينات 1960م اذ كانت بداية تطبيقاته على تدريب المعلمين وبعد ذلك بدأت تنتشر هذه التطبيقات على مهن اخرى في السبعينات 1970م ولقد طبقت في مجالات التعليم الفني والتدريب المهني في الثمانينات 1980م وفي استراليا في التسعينات 1990م. ولقدج اخذت استراليا على تطبيق هذا المفهوم لاجراء عمليات الاصلاح على منظومة التدريب وكذلك عملت بريطانيا.
وفي البحث عن اصل مفهوم التدريب القائم على القدرات (CBT) يرجع البعض ذلك الى نظريات الادارة العالية لـ "فريدريك تايلور" (Fredrick Taylor) في بداية القرن العشرين والتدريب القائم على القدرات مشتق اساسا من حركة الاهداف السلوكية او السلوكيين من الخمسينات 1950م في امريكا. واصول هذا المفهوم جاء من تفكير التربويين مثل بنجامين بلوم (Benjamin Bloom).
ويرى السلوكيون او اصحاب نظرية الاهداف السلوكية ان التركيز ينبغي ان يكون على نواتج التعليم وعلى الاخص تشجيع المدربين لتوظيف اهدافهم التدريبية من اجل احداث تغيير على سلوكيات المتدربين نحو الايجاب وعادة تكون نواتج التعليم عبارة عن اهداف سلوكية قابلة للملاحظة والتغير وايضا للقياس.
ولقد انتشر مفهوم التدريب القائم على المهارات (CBT) بأساليب مختلفة حسب طبيعة البيئة المحيطة والذي تتم فيه عمليات التطبيق ولكن بالرغم من ذلك الا ان مبادئ هذا المفهوم ظلت واحدة هي على النحو التالي :
ـ التركيز على النواتج والتي ينبغي ان تكون قابلة للملاحظة والتغيير.
ـ تلبية حاجة سوق العمل.
ـ تقييم القدرات للتحكم في المتغيرات.
ـ تحسين المهارات المكتسبة.
ـ تحسين التعبير عن الاحتياجات التدريبية.
وبالتركيز على هذه المبادئ يتضح لنا بان هناك فكرتين أساسيتين. الأولى مستمدة من الجانب الاقتصادي والنظريات الاجتماعية والثانية متعلقة بالعلاقة بين عالم التعليم والتدريب وسوق العمل وكيفية نقل الخبرات من طرف لآخر. ولأهمية هذه المبادئ فاننا سنوجز بالحديث عن كل منها مؤكدين على ما يتعلق بعلاقة التعليم والتدريب بسوق العمل. من اول المبادئ هي التركيز على النواتج التعليمية (Learning outcomes) وكذلك قياسها وهي الموصوفة بالقدرات (competencies). ولا يقتصر التركيز على نواتج التعليم فحسب بل على مؤشرات الأداء (performance indicators) وأيضا على رصد الاهداف التعليمية للموضوعات الرئيسية للمناهج ذات العلاقة بمعايير القياس والتي تلاحظ بصورة مستمرة متغيرات التعليم على مستوى الطلاب والمتدربين لذا فان التدريب القائم على القدرات لايؤثر فقط على المتدرب فحسب بل على النظام التدريبي على حد سواء والقدرات القائم عليها مفهوم التدريب عملية مستمدة اساسا من حاجة سوق العمل.
ويتم تصميم القدرات على تلمس حاجة السوق من الجانب النظري والعملي والتأكيد على اكتساب المعرفة والالمام بأساليب تطبيقها على الجانب العملي لكي يتحقق الهدف وهو اكتساب القدرات المهنية. وتحت مظلة القدرات المهنية يتم تحديثها وفقا لحاجة السوق وعادة تبدأ عملية رصد القدرات من خلال تحديد هذه القدرات ومن ثم تصنيفها لتصبح معايير لكل مهنة.
ولكي يتم التأكد من ان معايير القدرات المهنية لكل مهنة تلبي حاجات هذه المهن وليست مجرد اجتهادات شخصية من القائمين على عمليات التدريب فان من اساليب التدريب القائم على القدرات ان يتم التأكد من معايير كل مهنة عن طريق ممارس في سوق العمل للتأكد من صلاحيتها للسوق.
والقدرة في حد ذاتها مفهوم يختلف من بيئة الى اخرى اذ ان العديد من الدول النامية تبني مناهجها التدريبية على القدرات ولكن بمعانيها الخاصة والتي لا تغدو كونها المعارف والمهارات وتتداول هاتان المفردتان في العديد من المنتديات التدريبية في حين ان القدرة او القدرات مفهومها اوسع بكثير ولها عناصر متعددة ومستويات مختلفة وفق التالي..
المستوى الأول: المعرفة، المهارة، الاتجاهات.
المستوى الثاني: الأداء الأساسي Basic performance المؤشر الاساسي لمدى تمكن المتدرب من القيام بالمعرفة اوالمهارة المكتسبة.
المستوى الثالث: الأداء والمعرفة.. بمعنى ان يؤدي المتدرب ما تعلمه من خلال تطبيقه المعرفة على موقع العمل الفعلي.
المستوى الرابع: اخراج المعرفة بالأداء.
المستوى الخامس: اكتساب القدرة بكافة عناصرها.
وبالطبع فان هذه المستويات تحث كل متدرب تحت مفهوم التدريب القائم على القدرات على التمكن من القيام بها عبر مراحل تدريبية كما ان الأخذ بالمستويات الخمسة قد تعتمد على المدة الزمنية للتدريب فان كان البرنامج التدريبي على سبيل المثال قصيرا فقد يكتفي بالمستوى الأول وان كان طويلا فهو يسمح بتطبيق كافة المستويات. ولكن نعود ونؤكد أن مفهوم التدريب القائم على القدرات لم يعد يقتصر على التدريب فحسب بل توسع الى التعليم ويطلق عليه بعض الاحيان التعليم القائم على القدرات ((CBE) (copetency - based education ولقد تم تطبيقه في بعض جامعات العالم. اذا نصل الى استنتاج مفاده أن مدى تطبيق مستويات التدريب القائم على القدرات يعتمد على الهدف العام من الدورة والفترة الزمنية المخصصة لها.
وطالما ان الحديث يدور حول القدرة competence والقدرات competencies وبما ان هناك بعض الخلط في المعنى الحقيقي لهذين المصطلحين اذا من الحكومة بمكان ان نوضح طبيعة هذا المفهوم اذ ينبغي ان نفسر هنا ماذا نعني بالقدرة وما علاقتها بالقدرات؟

وبالرغم من نفاذ هذا المصطلح الى عالم التدريب الا ان مصطلح القدرة او القدرات غير مستخدم بشكل شاسع اذ ان المصطلحات الشائعة هي المعارف والمهارات. ولكن هل نعني بالقدرة التمكن من القيام بمهام متعددة لمهنة ما في سوق العمل؟ وهل القدرة مرتبطة بأداء بعض الانشطة في مهنة ما في سوق العمل؟ او ان القدرة مفهوم معقد أكبر مما أوضحناه؟
أن مصطلح القدرة مفهوم معقد لذا ينبغي علينا فهم تعقيداته اذا أردنا ان نصمم برامجنا التدريبية على مفهوم التدريب القائم على القدرات. وتكمن تعقيدات القدرة في مستوياتها اذ يعكس المستوى الاول السلوكيات في حين يعكس المستوى الثاني المعرفة, في حين تأتي المستويات الباقية لتعكس القدرة بكافة اجزائها. وهذه الأجزاء ذات علاقة ببعضها البعض اذ تجتمع في مكوناتها لنصب في صالح المتدرب من اجل اداء مهام في مواقف معينة.
ولكي تتم عمليات بناء القدرات المهنية التي يقوم عليها التدريب تتم الاستعانة بالخبراء من مهنة ما ممن يطلق عليهم (Frontline worker) عمالة الخطوط الامامية والممارسون والمشرفون في المؤسسات الكبيرة ومن الذين يعتقدون بأنهم أفضل من يعبر عن حاجة سوق العمل من هذه المهنة او تلك. وعادة يتم الوصول الى هذه القدرات من خلال عمليات تحليل المهنة بطريقة الديكام Dacum وهي اختصار لـ(Devlopment and Curriculum) وتعنى بتطوير المنهج وتقوم فلسفة الديكام على ان العاملين في الوظائف المختلفة هم اقدر الناس على التنفيذ بما يقومون به من مهام وبكل دقة وان تعريف الوظيفة تعريفا دقيقا ينبغي ان يتضمن وصفا للواجبات والمهام المرتبطة بها وان هذه المهام يتطلب انجازها ومعارف ومهارات وسلوكيات واتجاهات محددة ويتم التعرف على ذلك من خلال ما يطلق عليه (ورشة الديكام) Dacum Workshop والتي ينظر للمشاركين فيها على انهم خبراء في الوظيفة او المهنة المستهدفة. وللديكام عناصر ينبغي ان تتوافر لنجاح الورشة والخروج بالقدرات المهنية اللازمة لمهنة ما. ومن اهم هذه العناصرالمنسق Crordinator وهو الفرد الذي يقوم بالاعداد للورشة واختيار الافراد الممارسين كما يقوم بدوره بتوفير كافة متطلبات الورشة. كما ان هناك لجنة للديكام Dacum committee وهي اللجنة التي يتم اختيارها بعناية من قبل المنسق اذ يكون افرادها من بين العاملين بالمهنة المستهدفة وتطرح عليها البيانات لمناقشتها والخروج بالقدرات المهنية المطلوبة لذات المهنة. كما ان هناك مدير الورشة او المحفز ان جاز التعبير facilitator وهو الشخص المسؤول عن ادارة الورشة اذ ينبغي ان يتميز بمهارة ادارة حلقات النقاش كما ينبغي عليه ان يحلل معارف ومهارات متعددة في محيط المهنة المستهدفة ولديه القدرة على الاستنتاج كما يعمل بجانبه مسجل Recorder تنحصر وظيفته في مساعدة المدير وتسجيل كافة المناقشات والمعلومات والاستنتاجات واخيرا هناك لجنة للممارسين Experts committee وهذه اللجنة يتم اختيارها بشكل دقيق اذ تمثل حصيلة متراكمة عن المهنة اذ تعرض عليهم كافة المناقشات والاستنتاجات لابداء رأيهم حول ذلك مع اقتراح اية تعديلات او اضافات. وبالرغم من شيوع مدرسة الديكام في تحديد القدرات التدريبية للمهن الا انني سأقف وقفة نقدية سريعة حول الفلسفة التي تقوم عليها خاصة مع تسارع العديد من المجتمعات العربية الى تطبيق هذه الآلية دون الدراسة الدقيقة لمدى ملاءمتها لسوق العمل المحلي فلو ادركنا ان المفتاح الرئيسي للديكام هم الممارسون من سوق العمل من الذين يقومون بدور تحليل المهنة الى واجبات ومهام وخطوات سيتضح جليا مدى الفرق بين تطبيقات هذه المدرسة في العالم المتقدم والنامي, فأسواق العمل في الدول المتقدمة تكاد تكون مؤسسات تدريبية من قوة العلاقة التي تربط بين مؤسسات التدريب ومؤسسات هذا السوق لذا فلا غرو في ان نجد الممارسين الفاعلين لمهنة ما في هذا السوق من الذين بامكانهم وبسهولة تحليل هذه المهنة الى واجبات ومهام وخطوات امام الممارسين من العاملين في سوق العمل النامي يبدو انهم يواجهون صعوبات عند تحليل المهنة فبالتالي تقع الاخطاء وتنعكس على استنتاج القدرات المهنية اللازمة لمهنة ما ويتم تصميم البرامج وفق هذه القدرات الهزيلة والنتيجة تدريب هزيل لا يؤهل المتدربين على متطلبات السوق ومن هنا بالمناسبة ظهرت علينا مقولة عدم توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل وللكاتب رأي حول هذه المقولة سبق التطرق لها في مقالات سابقة.
نعاود الحديث مرة اخرى عن القدرة فالقدرة Competence هي استطاعة الفرد ان ينجز مناشط محددة في محيط مهنة معينة طبقا لمعايير يحددها سوق العمل. ولعل من اكبر النقد الموجه للتدريب القائم على القدرة او القدرات هو تجاهله الى حد ما المعلومة كونه يركز على المهارة المطلوبة لمهنة ما واذا اخذنا في الاعتبار الديكام فالمهارات تأتي على حساب الجانب المعرفي ولذلك جاء التدريب القائم على القدرات وبعضهم يطلق عليه التدريب القائم على المهارات مما يعزز التجاهل المعرفي وهذا يقودنا الى تساؤل آخر خاصة مع التوجه العالمي نحو الاقتصاد المعرفي K - economy وكذلك تأهيل العمالة المعرفية لملاحقة متطلبات الاقتصاد المعرفي K - economy فأين يقع كل ذلك من ملاحقة العديد من المجتمعات العربية او حتى غيرها تجاه التدريب القائم على القدرات. وخاصة ان الاقتصاد المعرفي وانشطته المختلفة قللت من حجم الاعمال التي تعتمد على المعرفة لذلك جاء مفهوم العامل المعرفي والذي يمتلك معارف تمكنه من القيام بمهام المهنة التي ستسند اليه وبالأخص مع التطورات السريعة التي تشهدها كافة مجالات الاقتصاد. الأمر الآخر حول نمط التدريب القائم على القدرات هو المفاهيم المتعددة حول مفهوم القدرات فالبعض يفسره على انها مهارات والآخر على انها مهارات ومعارف ولكن قلة في الواقع يفسر القدرات على انها (معارف ـ مهارات ـ اتجاهات ـ مواقف) اذ تفضل في العديد من البرامج التعليمية والتدريبية مسألة الاتجاهات والمواقف ويتم التركيز على المهارات في المقام الأول. ولعل الاتجاهات من أهم عناصر القدرة, إذ كيف نعد متدربا بالمهنة ما دون ان نغرس فيه حب هذه المهنة وتفاعله مع متطلباتها، ونسمع الكثير حتى في الندوات واللقاءات العلمية بانه ينبغي علينا ان نكسب الخريج والمتدرب المهارات المعينة للقيام بمهام مهنة ما ولكن قلما نسمع بأن تكون قدرات هذا الخريج متلائمة مع متطلبات المهنة.

المصدر: موقع السيورة العامة

أهم المشاركات