السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ........ أهلا ومرحبا بكم في ساحة التنمية البشرية والتطوير الإداري

الأحد، 1 مايو، 2011

التنفيذ الإستراتيجي و إدارة الموارد البشرية في البنوك العربية

التنفيذ الإستراتيجي و إدارة الموارد البشرية في البنوك العربية
  
إن هذا المقال، والذي يتناول أسس إستئصال مخاطر العمليات في سياق إستراتيجي مصرفي، هو بمثابة دعوة للتفكير المُعمق في  إمكانية تطبيق مجموعة من المفاهيم الإدارية الحديثة التي ترمي إلى تحويل الوحدات المُختلفة للبنك من دوائر مُنفردة مُستقلة إلى نظام عمليات مُتكامل يعمل بآليات دقيقة تضمن ليس فقط تحقيق البنك لأهدافه السنوية من ربحية و نمو مُضطرد في حصته السوقية، و لكن أيضاً تنفيذ المعاملات المُختلفة بدقة و ضبط عملياتها بشكل يسهل معه إيقاف أي  معاملة مغشوشة و إحتيالية. فمن المُتعارف عليه اليوم أن النظام العملياتي التام الخاص بكل بنك لوحده، هو حقيقة الوسيلة اللوجستية المُثلى للتخلص من كافة المشاكل الفنية  و تحقيق نمو مدروس و ممنهج في ربحية البنك و حصته السوقية كما أسلفت. و

  لقد تكبدت الكثير من بنوكنا العربية خلال السنوات السابقة خسائر كبيرة لا لشيء إلا لأنها اعتمدت في إدارة عملياتها على مفهوم الموظف عالي الكفاءة بدلاً من الإعتماد على “النظام العملياتي التام”  و الذي يرتكز أساساً على الخطة الإستراتيجية للبنك. إن الكفاءة العالية للمصرفيين لا تضمن أبداً إستمرارية أداء البنك على مستويات عالية حيث أن الأفراد مهما بلغوا من الكفاءة و المهارة فهم دائمي التأثُر بمحيطهم و بالعوامل النفسية و الإقتصادية الخارجية التي لا بد في النهاية أن تنعكس على أدائهم و بالتالي تتأثر مصلحة البنك سلبياً.و

 من هنا عملت البنوك الدولية، و الكثير من البنوك الإقليمية، على تصميم نظام العمليات المُتكامل الخاص بكل منها و بالتالي نجح مُعظمها نجاحاً تاماً في  إستئصال مخاطر العمليات لدرجة أنها لم تتأثر فعلياً بالأزمات الإئتمانية المُعاصرة التي أدت إلى إنهيارات  مصرفية مهولة أحاقت بالكثير من إقتصاديات الدول الغربية. نعم إن سلامة العمليات المصرفية بشكل عام و سلامة العمليات التجارية تحديداً هي الأساس الأول و المتين الذي يضمن إستمرارية البنك و نموه في كل الظروف و الأحوال.   

 من خلال دراساتنا المستمرة للقطاعات المصرفية العربية و البنوك العاملة فيها، لاحظنا قيام الكثير من هذه البنوك بإستثمار مبالغ كبيرة في شراء أنظمة كمبيوتر متطورة و نظم محاسبية للدوائر المصرفية المختلفة  و لكن أكثر ما لفت إنتباهنا هو شراء أنظمة  إدارة الموارد البشرية أو ما يُسمى أنظمة التقييم السنوية . حقيقة إن أنظمة الموارد البشرية هذه هي عبارة عن نماذج موحدة مُبرمجة ألكترونياً و تُباع لكافة المؤسسات المالية و الشركات التجارية على حد سواء و لذلك فإنها شكليات و ليست أكثر من دليل يصف الخطوات الواجب إتباعها في عملية التقييم السنوية و تحديد الأهداف و المسؤوليات المُتفق عليها و المُنبثقة  عن الأهداف الإستراتيجية الرئيسية للبنك، كما أنها وسيلة أشبه  ما تكون بدفتر أبيض يتم تسجيل الملاحظات العامة عليه.  لذلك فإن إستعمال مثل هذه البرامج الثابتة الموحدة لا يُعتبر الحل الأمثل لتأسيس نظام عملياتي شامل فَعَّال و قادر على الإرتقاء بمستوى أداء البنك و ربحيته إلى مستويات أداءتماثل بل و تتفوق على مثيلاتها في البنوك الدولية.           

 على مدى السنوات العشر الماضية، إستطاعت بعض البنوك العربية سبر غور عملية التخطيط الإستراتيجي  برمتها و وصلت إلى فهم قوتها و الأثر الإيجابي المُذهل لهذه العملية المُعقدة على نتائج البنك المالية و سلامة أعماله.  لا شك بأن الخطة الإستراتيجية ترتكز بالأساس على فهم السوق المحلي و البيئة المحيطة و هي بالجوهر مُنبثقة، و لا يجوز إلاّ أن تكون مُنبثقة، عن الواقع العملياتي للبنك و بالتالي تتناسب معه و بعكس ذلك تكون هذه الخطة عامل سلبي مُعيق لتطور و نمو البنك. و لذلك يجزم خبراء العمليات المصرفية بأن النظام العملياتي المُتكامل السليم، هو نموذج دقيق يُمثل الواقع الحقيقي للبنك بأسلوب متطور صُمم خصيصاً ليكون المركبة الفاعلة التي توصل نفس البنك إلى تحقيق أهدافه السنوية و إلى السير به تجاه نمو سنوي ثابت مدروس. مثل هذا النظام الإستراتيجي هو الذي يقضي على الفوضى و التشتت و يخلق بيئة مصرفية صحية نظيفة و مُتطورة لفريق عمل واحد ذو رؤية واضحة و مُُدرك تماماً ماذا يفعل و كيف يعمل.و

 هذه الحالة من النظام و الدقة و التطور في العمل المصرفي بمُختلف فروعه، هي إنجاز مهني بحد ذاته و هي وليدة النظام العملياتي الموحد الذي تحدثت عنه أعلاه و لا يمكن أن يتأتى عن تعبئة نماذج تقييم أداء سنوي  بأسلوب روتيني نسخي يفتقر للفهم الدقيق و المُعمق للمسؤوليات المُتباينة والواجبات المُتغايرة لكل فرد من أعضاء  الكادر الوظيفي للبنك. إن أحد أهم مكونات النظام العملياتي المُتكامل هو نظام تقييم  الأداء الدوري للكادر الوظيفي بكامله، فلا شك أن هذا النظام الذي يحتوي في مضمونه مُعظم مبادئ العلوم الإدارية المُعاصرة، هو العمود الفقري الذي يربط الإدارة العُليا للبنك بالموظفين على كافة درجاتهم حيث تقوم الإدارة بتحديد الأهداف الكمية للمصرف و من ثم يتم تقسيم هذه الأهداف على الرؤساء التنفيذيين للشُعَبِ المُختلفة و الذين يقومون بدورهم بتقسيمها إلى فئات أصغر توزع كما هو مناسب على المُساعدين و من ثم رؤساء الأقسام و دواليك حتى يحصل كل موظف على حصة مناسبة من الأهداف الإستراتيجية السنوية للمصرف و يتقيد بتحقيقها حيث يتم تقييم أداءه بالإعتماد على مدى تحقيقه لأهدافه السنوية.   و

 و عليه فإن من بديهيات العمل المصرفي و من المُتعارف عليه اليوم أن الأهداف الإستراتيجية للمؤسسة المالية هي مسؤولية كل من يعمل في هذه المؤسسة، كما أن هذه الأهداف توزع بطريقة مهنية تلائم كل شخص. أما أسس التقييم فترتكز على نماذج ثلاثة تحتوي كافة المهارات الفنية و الإدارية و القدرة على التفاعل التي يحتاجها الفرد عند أداءه لعمله اليومي. وهذه النماذج تحديداً هي نموذج تقييم التنفيذيين و المدراء من الدرجات العليا، و نموذج تقييم الإداريين من الدرجات الوسطى و أخيراً نموذج تقييم الكتبة من الدرجات قبل الإدارية. أود هنا أن أذكر بأن كافة هذه النماذج المهمة متوفرة لدينا في المكتب و يمكن الحصول على نسخ منها بمجرد الطلب عبر الهاتف أو الإيميل.   و

 إذن نجاح البنك يعتمد بالدرجة الأولى  و الأخيرة على قدرة إدارته و كادره الوظيفي معاً على وضع النظام العملياتي  المُتكامل الخاص بهم و المُناسب لهم. و لا شك أن هذه العملية من أصعب و أعقد المهام على الإطلاق و ذلك لأن النظام العملياتي المُتكامل هو في حقيقة الأمر ماكينة مُتطورة مُتناهية الدقة تتكون من عدد كبير من الأنظمة الرئيسية التي يتفرع عنها عدد غير قليل من الأنظمة الفرعية مُتصلة مع بعضها بحيث لو أخفق أحد هذه الأنظمة الفرعية أو الرئيسية التي تُكَوِّن في مجموعها النظام العام  تتوقف كل الماكينة عن العمل و بالتالي تتنبه الإدارات المُختلفة للخلل و يتم مُعالجته في الوقت المناسب.   لنأخذ مثلاً بسيطاً للتوضيح، في نهاية كل يوم عمل في أحد البنوك الدولية، تقوم دائرة الرقابة المالية بمراجعة التقارير اليومية للبنك، و في أحد الأيام ظهر فرق قيمته 5 فلوس في الميزانية العامة للبنك علماً بأن البنك يستطيع إستخراج هذه الميزانية بشكل يومي. و لدى مُراجعة الميزان العام لكل الدوائر تبين أن الفرقية صادرة عن دائرة التمويل التجاري، و للحال تم إرسال مُذكرة آنية لرئيس الدائرة مع نسخة لدائرة التدقيق فقامت دائرة التمويل التجاري بمراجعة كافة المدخلات المحاسبية في ذلك اليوم و تم إكتشاف الفرقية و كان سببها خطأ في إدخال المعلومات لم ينتبه له الموظف و لا مراقبه و لا رئيس القسم و لكن الذي ضبط هذا  الخطأ كان دائرة الرقابة المالية. و لم يكن الخطأ ليمر حتى و لو لم يتنبه له المُراقب المالي لأن هنالك تقارير يومية عامة تُرسل للمُدير العام نفسه الذي كان سيكتشف الفرق عندها. و عليه وجود مثل هذا النظام العملياتي الشامل يجعل إحتمالية عدم إكتشاف الخطأ شبه مُستحيلة.  و

 إذن العملية الإدارية  ليست تعبئة مجموعة شكلية من النماذج البسيطة  للوصول إلى  قرار ما إذا أدى الموظف أو المسؤول واجباته بشكل مقبول أم لا، بل على العكس تماماً هي عملية فنية مُعقدة تُشكل في مجموعها نظاماً عملياتي مُتكامل يضمن صحة كافة المُعاملات كما يضمن نجاح البنك و نمو موجوداته بالإعتماد أصلاً على الخطة الإستراتيجية للبنك، علماً بأن هذه العملية يدوية بالكامل و لا تحتاج لأكثر من تعبئة نماذج، إذن الأساس هو المعرفة السليمة و التخطيط الدقيق و ليس أنظمة مؤتمتة صماء تُخرج ما يُدخل إليها دون معنى أو غاية.

بكلمات أبسط، عملية التقييم السنوي لا تعتمد أبداً على تعبئة مجموعة نماذج التقييم بقدر ما تعتمد على وضع الخطوات اللوجستية الدقيقة لكافة الوظائف المصرفية و الخاضعة لعدد كبير من القوانين البنكية و التجارية الوطنية و الدولية إضافة إلى التعليمات الإدارية الداخلية الواجب التقيد بها خلال فترة التقييم عند  تنفيذ كل مُعاملة بمُعاملتها. ناهيك عن الحاجة لتدريب الموظفين على التقيد بهذه المُتطلبات الكثيرة و خصوصاً في المجالات الفنية الدولية كالتمويل التجاري و العملات الأجنبية و الأوراق المالية و التحليل الإئتماني الدولي و غيرها (مُرفق طيه ورقة عن التدريب التطبيقي المُباشر على التمويل التجاري و الأوراق المالية. كما أن القواعد المُعتمدة في تقييم المُدراء التنفيذيين تختلف كلياً عن تلك المُتبعة لتقييم الدرجات الإدارية الوسطى و الدرجات دون الإدارية.

إن الإلمام التام بأصول وضع الخطط الإستراتيجية و تنفيذها بواسطة تصميم النظام العملياتي المُتكامل و الذي يتكون من عدد كبير من الأنظمة الرئيسية و الفرعية الخاصة بدوائر البنك المُختلفة عن طريق تطبيق نظام التقييم السنوي بدقة و شمولية، لهو الطريق الأمثل لضمان ليس فقط إستمرارية البنك و لكن نموه و الحفاظ على سمعته في الدوائر التجارية. و عليه فإن على المؤسسة المالية أن تسعى إلى تصميم مجموعة حلول تطبيقية مُتكاملة خاصة بكل دائرة من دوائر البنك إبتداءاً من الإدارات العامة، و مروراً بدوائر الإئتمان و إدارة حسابات الشركات و دوائر التمويل التجاري و العملات الأجنبية و الأوراق المالية إنتهاءاً بخدمات الأفراد و القروض الشخصية و بطاقات الإئتمان و دوائر الخدمات و المؤسسات المالية و غيرها حيث أن مثل هذا النظام هو السبيل الأمثل لنقل عمليات أي بنك إلى مرحلة  متفوقة من التميز و الإبداع بإذنه تعالى.

المصدر: مكتب يعقوب السِفري للإستشارات المصرفية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهم المشاركات