السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ........ أهلا ومرحبا بكم في ساحة التنمية البشرية والتطوير الإداري

الاثنين، 25 يوليو، 2011

المسؤولية الاجتماعية للشركات

يمر مصطلح المسؤولية الاجتماعية للشركات Corporate Social Responsibility CSR بحالة من التيه بين مصطلحي مشاركة الشركات في بناء وتطوير المجتمع من واقع وجودها كطرف ينتفع بالمجتمع ومكوناته، وبين مصطلح الأعمال الخيرية charity work أو Philanthropic work على أساس أن ما يقدم من قبل الشركات هو بدافع النفع غير المطلوب نظاما. ومع الأسف، أن بعض مؤسساتنا ما زالت تخلط بين المفهومين، والبعض الآخر أكثر ذكاءً فيوظف المصطلحين في كل مناسبة وفقا لاحتياجاته. الحقيقة أن المصطلحين يتشابهان في الشكل الخارجي، لكنهما يختلفان في المضمون، وفي المخرجات. فالمسؤولية الاجتماعية للشركات تدعو إلى مساهمة الشركة في بناء المجتمع بديمومة، من خلال برامج البناء المستدامة التي تعود بالفائدة على الأجيال المتعاقبة من المجتمع. أما الأعمال الخيرية فهي وسيلة للتواصل بين العبد وخالقه - سبحانه وتعالى - تخرج في شكل صدقة وزكاة وغير ذلك. لن أبحث كثيرا في دوافع الأعمال الخيرية وأشكالها، لكن سأركز في بيان الفروقات بينها وبين مفهوم وتطبيقات المسؤولية الاجتماعية من واقع البيئة الاقتصادية في دول الرأسمالية.

ومع ذلك، فمصطلح المساهمة الاجتماعية في بناء المجتمع يمكن أن يعاد إلى جذور الثقافة الإسلامية، وحتى نؤصل لموضوع المسؤولية الاجتماعية من خلال ديننا الحنيف، فالمصطلح يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الإحسان، تقول في اللغة أحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع. والإحسان: ضدُّ الإساءة. والإحسان يكون في أمور العبادات والمعاملات جميعها. كما أن الإحسان يأتي في ثلاثة معان:

1- إحسان العمل وإتقانه، سواء كان هذا العمل من العبادات أو المعاملات أو أي عمل آخر، قال الله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) سورة البقرة: 112.

2- الإحسان إلى الخلق، قال الله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) سورة النحل: 90.

3- الإحسان إلى الكون من حولنا؛ كالبيئة، والحيوانات، والنباتات، والأرض، والماء وغير ذلك، قال الله تعالى: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَة اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف: 56.
حتى مفهوم العمل الخيري، من صدقة وزكاة يمكن أن تأتي من دافع الإحسان، لكن الإنسان مُطالب بأدائها تقربا إلى الله حسب الاستطاعة، وهو غير ملزم بالاستدامة في ذلك. لكن مفهوم المسؤولية الاجتماعية يعني الالتزام باستمرار تقديم المساهمة لبناء وتطوير المجتمع، وهي تأتي في الأساس دون إلزام. كما أنها تركز علي مفهوم المنفعة المتعدية في الوقت وفي النفع. ومن أكثر الأمثلة على ذلك عند ما جاء رجل يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - المال أعطاه فأسا وحبلا ليحتطب ويبيع منتجه، وهذا هو مفهوم المسؤولية الاجتماعية الذي نأمل أن نصل إليه.

منذ قيام الشركات في العالم وتطور نظريات الاقتصاد الرأسمالي، بدأت النظرات إلى مساهمة ملاك الأموال في تنمية المجتمع، فهم لم يحققوا ثرواتهم إلا من خلال المجتمعات التي يعيشون فيها. نظرية الاقتصاد الرأسمالي تؤدي إلى نمو الثروات لطبقة وسحق طبقات أخرى من المجتمع، مع العلم أن تكوين وبناء هذه الثروات جاء من تضافر الجهود بين الطبقات المختلفة في المجتمع، وهنا تبرز عدالة المسؤولية الاجتماعية التي تبحث عن تطبيق مفهوم العدالة المجتمعية بين من يجنون الثروات الطائلة وبين من يسهمون بدمائهم في تكوينها.

شرع Friedman في التساؤل في عام 1970 عن هل يملك المشروع الاقتصادي أي مسؤولية، عدا مسؤولية تعظيم الأرباح للملاك، وقد خالفه كثير من الكتاب في نظرته، حتى جاء Carroll في عام 1991 ليصوغ هرم المسؤوليات المكون من أربعة مستويات المسؤولية الاقتصادية Economic، والقانونية Legal، والأخلاقية Ethical والمسؤولية الخيرية Philanthropic التي تؤطر لموضوع المسؤولية الاجتماعية من خلال نظرة الجهات المستفيدة stakeholder perspective.

المسؤولية الاجتماعية للشركات تحمل أبعادا كثيرة تدخل من ضمنها الانتماء للوطن، والمسائل الدعائية والتسويقية، حتى المسائل القانونية، وهذا ما سأسعى - بإذن الله - إلى إيضاحه من خلال سلسلة مقالات تتحدث عن هذا المصطلح، تقديما للبحث عن مجموعة من التجارب الناجحة في السوق المحلية، لنخرج في الختام بإجابة عن سؤال حيرنا كثيرا: هل ما يطبق في السعودية يستحق أن نطلق عليه مسؤولية اجتماعية للشركات أم لا؟ يتبع.

من أوائل التعريفات التي أطلقت علي مصطلح CSR ما كتب في عام 1975 بواسطة Elias & Epstein، حيث عرف CSR بأنها ''الإفصاح عن بعض أعمال المؤسسة، فيما يتعلق بالأنشطة الاجتماعية من ناحية أدائها أو تأثيرها في المجتمع''. في هذا التعريف نرى دعوة إلى الشفافية فيما بين الشركات والمجتمع الذي تمارس أعمالها فيه، فمن حق المجتمع التعرف على ما تقدمه الشركة من خدمات اجتماعية، كما أن من حق المجتمع التعرف على الأثر الإيجابي أو السلبي الذي يحدث بسبب وجود الشركة.

وحيث إن الإفصاح الوسيلة الوحيدة للتواصل بين الشركة ومحيطها الخارجي، فقد عرف Gray في عام 1996 CSR من خلال وجهة النظر المتعلقة بالإفصاح بالتالي: ''عملية التواصل فيما يتعلق بالأثر الاجتماعي والبيئي الناتج من الأعمال التجارية للمنظمة، للمجموعات المهتمة على وجه الخصوص وللمجتمع بشكل عام. وفي هذا تثبيت لمفهوم المساءلة للشركات وإدارتها، الذي يتجاوز المسؤولية في تقديم التقارير المالية لملاك ومساهمي الشركة. وهذا المفهوم يقوم على أساس أن للشركات مسؤوليات تتجاوز تعظيم الأرباح للملاك''. نجد في هذا التعريف توظيفا لمفاهيم الإفصاح والمسؤولية والمساءلة في علاقات الشركة بالمجتمع المحيط بها.

وحيث إن الإفصاح، يعتبر من ضمن أهم الوظائف المحاسبية لعلم المحاسبة، فقد ربط مصطلح CSR بمصطلح المحاسبة الاجتماعية Social Accounting، التي تعنى بالتواصل مع الفئات الخارجية وغير المستفيدة مباشرة من النتائج المالية للشركات، ليكون الهدف كما عرفه Mathews & Perera في عام 1995: ''توسيع الإفصاح ليشمل موضوعات غير تقليدية في مجال الإفصاح، مثل تقديم المعلومات عن التوظيف، والمنتجات، والخدمات الاجتماعية والبيئة التي تقدمها الشركة وليست من ضمن أنشطتها الرئيسة''. وهذا التعريف قد يوطئ لتعريف آخر يأخذ من الوظائف الإدارية الأساس لتقديم CSR وهو التعريف الذي قدمته المنظمة الأمريكية المتخصصة في المسؤولية الاجتماعية، التي أشارت إلى أنها ''القرار الإداري المرتبط بالقيم والأخلاقيات، والملتزم بالقوانين والتشريعات، الذي يحترم الإنسان، والمجتمع والبيئة المحيطة''. فمع اختلاف المدارس أو التخصصات إلا أننا نجد توافقا كبيرا في أساسيات المفهوم، الذي ينطلق من تطبيق جيد لمفاهيم حوكمة الشركات، كما أشار إليه في المنتدى الاقتصادي العالمي، والمنتدى العالمي لقادة الأعمال في 2002.

في واحد من أكثر التعريفات إجمالا لموضوع المسؤولية الاجتماعية للشركات، تقول Jupiter Asset Management: ''إدارة وتشغيل الشركة بطريقة مسؤولة بهدف تعظيم الأثر الإيجابي وتقليل أي تأثير سلبي في البيئة، والمجتمع والاقتصاد الوطني''. وهذا يعتبر من أكثر التعريفات إيضاحا لمهام المسؤولية الاجتماعية للشركات التي تتطلب أن تكون الشركة عضوا نافعا للمجتمع المحيط. وهذا ما أطلقت عليه جمعية المسؤولية الاجتماعية للشركات في الاتحاد الأوروبي ''توظيف المسائل الاجتماعية والبيئة مع أنشطة الشركة في التواصل مع الجهات المستفيدة من منطلق غير إلزامي للشركات''، وهنا أتساءل: كيف لبعض شركاتنا أن تطبق مثل هذه المفاهيم وبعض قياديها لا يعرف من الأطراف المستفيدة Stakeholders group إلا النزر اليسير؟

ولعل هذا يتضح مع تعريف CSR المصوغ بواسطة شركة الاستشارات CSR Network التي توضح أن المصطلح يعني ''كيف يقوم المشروع بدمج القيم والممارسات مع ما يتوقعه الأطراف الخارجية للمشروع، وهنا لا يقتصر الأمر على المستثمرين والعملاء، بل يتجاوز إلى الموظفين، الموردين، المشرع، المجتمع المحيط، الأجيال المستقبلية، والمجتمع بشكل عام، المسؤولية الاجتماعية توضح مدى التزام الشركة بمفهوم المسؤولية تجاه الجهات المستفيدة''.

حتى لا نبعد كثيرا، فإن هذا المصطلح لا يبتعد كثيرا عن مفاهيم العمل الخيري، لكن مع الحرص علي تحقيق أهداف مستقبلية تعود على الشركة بالفائدة، وهنا نستعرض ما قدمته Corporate Watch في عام 2006، حيث أشارت إلى أن: ''المسؤولية الاجتماعية للشركات تعكس مبدأ أن على الشركات واجب المساهمة الإيجابية للمجتمع، فهي تعني ممارسة وإدارة الأثر الاجتماعي، والبيئي والاقتصادي للشركة تجاه المجتمع المحيط، التجاوب مع متطلبات الأطراف المحيطة بالشركة، والتعامل معها بأخلاقيات قد لا تكون مذكورة ضمن القوانين والأنظمة المكتوبة، بمعنى آخر، هذا المصطلح يعبر عن العديد من الممارسات التي تستطيع الشركة القيام بها تجاه المجتمع سواء كانت تقديم الإحسان والصدقة، المشاركة في الأعمال الخيرية، أو حتى تخفيض انبعاثات الكربون''.

القواسم المشتركة من خلال التعريفات السابقة، التي نستطيع أن نخلص بها إلى أن المسؤولية الاجتماعية عملية تواصل بين المنشأة والمجتمع المحيط، لضمان تطور المجتمع ونشاط الشركة معا، من خلال توظيف أدوات عديدة لإثبات المواطنة الصالحة للشركات.

المصدر: عامر الحسيني , مجلة الإقتصادية الإلكترونية , الأربعاء 13 رجب 1432 هـ. الموافق 15 يونيو 2011 العدد 6456

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهم المشاركات